الخميس، 4 أغسطس 2011

العلاج المعرفي عند ريمي ( فرض التصور الخاطئ )

المطلع على نظريات علم النفس ، سيجدها كثيرة ومتنوعة ، وهناك علماء كثيرين ، كل عالم في نظرية معينة ، وضع لها القوانين ، والإجراءات ، وكل صاحب نظرية ستجده يدرس السلوك ويصفه ، ويفسره 00 إن مفهوم التصور الخاطئ الذي اعتمده ( ريمي ) هو من المفاهيم التي يمكن أن يعتقدها الكثير من الناس دون علم أو معرفة بذلك 00 لذا فإني سأقدم للمرشد وللمعالج وللقارئ ، هنا هذه النظرية ، كي يستفيد ، ولا يقف عند هذا ، وعليه أن يبحث وينقب بشكل أكثر حتى يجد ما يريد ، ويحصل على الهدف الذي ينير الطريق ، نحو استفادة من خلالها يساعد المسترشدين 0

أولا ـ التعريف بصاحب النظرية :

هو ( فيكتور شارلس ريمي Victor Charles Raimy ) من مواليد الولايات المتحدة الأمريكية عام 1913م 0 حصل على درجة البكالوريوس من كلية ( أنتيوك ) كما حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو عام 1943م 0وقد كان موضوع رسالة الدكتوراه ( مفهوم الذات كعامل في الإرشاد وتنظيم الشخصية ) 0 وقد عمل بالتدريس في جامعة ولاية أوهايو ، وبتسبرج حتى وصل إلى درجة الأستاذية ، حيث رأس قسم علم النفس بجامعة كلورادو ، ومنذ عام 1978 ، تفرغ ( ريمي ) للممارسة العلاجية في هونولولو 0 كما أنه عضو نشط بشعب علم النفس الإكلينيكي ، وعلم النفس الإرشادي ، والعلاج النفسي بالجمعية الأمريكية لعلم النفس 0 تتلمذ ( ريمي ) على يد ( كارل روجرز ) مؤسس نظرية العلاج المتمركز حول العميل 0 و ( ريمي ) ينتمي إلى أنصار النظرية المعرفية ، وخاصة فيما يتعلق بمفهوم الذات Self-Fulfillment ، وهذا هو الاتجاه السائد للكثيرين من العلماء ، خلال السنوات الأخيرة 0 ولعل تتلمذ ( ريمي ) على يد ( كارل روجرز ) كان السبب وراء نجاحه فيما يتعلق بمفهوم الذات ، فنظرية ( كارل روجرز ) تعد من أكمل النظريات لدعمه افتراضاته بالكثير من الأسانيد التجريبية 0

وهنا يتضح لنا أثر البيئة على حياة العلماء ، ومستوى عطائهم 0 بيئة هذا العالم ( ريمي ) كغيره من العلماء الذين كان للبيئة الدور الكبير ، والمؤثر في نشأته نشأة علمية منظمة ، فيها الكثير من الإثارة يتوفر بها كل وسائل وأدوات البحث ، والحرية الفكرية المشجعة على الإجابة على الكثير من التساؤلات التي يمر بها الفرد في حياته العلمية والعملية 0

• أسس النظرية :

تقوم نظرية ( ريمي ) في العلاج المعرفي ، على مفهوم الذات ، وخاصة فيما يتعلق بالجانب التطبيقي ، وتحديد الجانب المعرفي فهو ــ كما يؤكد ريمي ــ الجزء المؤثر على الفرد 0

ولكي يفهم ماذا يعني مصطلح الذات ، فقد أشار ( زهران ، 1982) بقوله : " يمكن تعريف الذات بأنه تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتقويمات الخاصة بالذات ، يبلوره الفرد ، ويعتبره تعريفا نفسيت لذاته 0 ويتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المنسقة المحددة الأبعاد عن العناصر المختلفة لكينونته الداخلية أو الخارجية 0 وتشمل هذه العناصر المدركات والتصورات التي تحدد خصائص الذات ، كما تنعكس إجرائيا في وصف الفرد لذاته كما هو ( مفهوم الذات المدرك ) 0 والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد أن الآخرين في المجتمع يتصورونها والتي يتمثلها الفرد من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين " 0

من هذا يتضح أن الانطباعات والمعتقدات والاقتناعات المنظمة التي تشكل معرفة الفرد عن نفسه والتي تؤثر على علاقته بالآخرين ، وقد تكون سببا هاما ومؤثرا في عملية التوافق لدى الفرد أو عدم التوافق ، وبالتالي فهي تصورات خاطئة لها أثرها في الذات 0

وأشار ( الشناوي ، 1994) بقوله : " يعتبر خطأ التصور عن الذات هو الأكثر أهمية ، والعلاج القائم على فرض التصور أو المفهوم الخاطئ يركز على دور المعتقدات الخاطئة المحدودة والراسخة في العلاج عوضا عما تصفه تلك النظريات الخاصة بالذات ، والتي تعتبر غير كاملة ومشوشة 0 وهذه الطريقة ، طريقة التصور أو المفهوم الخاطئ ليست جديدة تماما ، بل هي في الواقع تعتبر أقدم طرق العلاج النفسي ، فهي جوهر نظرية ( آدلر ) والنظرية الإدراكية لـ ( كومبس ، وسينج ) وكذلك هي لب نظرية ( إليس ) وكما ترى بعض الأعمال ، مثل : ( جانيت ، وبروير ، وسوليفان )0

• مسلمات النظرية :

تقوم نظرية ( ريمي ) على عدة مسلمات تساهم في تفسير سلوك الإنسان ، واضطرابه ، وكذلك في نظرته للآخرين 0 ومن هذه المسلمات ، ما يلي :

1ـ تتكون الذات بشكل أو بآخر من المعتقدات والاقتناعات المنظمة التي تقوم بشكل أو بآخر في مساعدة الفرد لكي يتعرف على نفسه ، وهي بالتالي قد تؤثر على علاقته بالآخرين 0

2ـ أن سبب المشكلة في كثير من الأحيان هي الذات ، أما فيما يتعلق بالعالم والآخرين فليس هناك مشكلة 0

3ـ الذات لها جانب تطبيقي يمكن أن يستفاد منه في العلاج النفسي 0

4ـ أن التصورات الخاطئة تحدد نوع السلوك لدى الفرد ، وقد تدفعه إلى سلوك غير متعقل ، وبالتالي يؤدي ذلك بالفرد إلى انهزام مستمر 0

5ـ أن المعتقدات حول الآخرين التي لا تشتمل على إشارة للذات تعتبر مهمة في التوافق 0

6ـ عندما يتم تصحيح التصورات الخاطئة عن الذات وتعديلها ، فإن ذلك يؤدي إلى عملية الصحة النفسية ، أو التوافق لدى الفرد ، وينتج العلاج 0

7ـ من الأساليب الكثيرة للكشف عن التصورات الخاطئة ، أسلوب المقابلة ، وتمحيص الذات من جانب المسترشد ، وكذلك الطرق التي يستخدمها المعالجون في الأنظمة الأخرى للعلاج 0

8ـ إن المراجعة المعرفية المتكررة من جانب المسترشد تؤدي إلى تعديل أو إلغاء التصورات الخاطئة ، والتي تعتبر عنصرا في كل العلاجات 0

9ـ إن الإستبصار هو اعتراف المسترشد بأن لديه تصورا خاطئا أو أكثر ، وأن عدد وأنواع استبصارات المسترشدين تعطي مقياسا عن تقدم ونجاح العلاج 0

• المفاهيم الأساسية للنظرية :

تقوم نظرية ( ريمي ) على فرض التصور الخاطئMisconeptions ، حيث يقرر (ريمي ) أن الاضطرابات النفسية هي نتيجة المعتقدات ، أو الاقتناعات الخاطئة ( أي التصورات أو المفاهيم الخاطئة ) 0 والهدف من العلاج هو تغيير التصورات الخاطئة لدى المسترشد 0 وتصحيح هذه التصورات أو تعديلها يؤدي إلى تحسن عملية التوافق 0 وهذه النظرية لا تحدد طريقة كما لا تقتصر على أي طرق خاصة 0 لكنها تعترف بأن تغيير التصور الخاطئ ، والذي يبدو من المسترشد ، والمتصل بمشكلاته النفسية فإنه من المتوقع أن تزول جوانب سوء التوافق لديه 0 وهذا يبين أن الكثير من النظريات الحديثة قامت على نظريات سابقة ، فما ذكره ( ريمي ) في هذا النموذج العلاجي المعرفي ، قد سبقه وتحدث به البعض حتى وإن اختلفت الصياغة ، فالمفهوم واحد ، ويتحقق به غرض واحد 0 فما ذكره ( ريمي ) قد ذكره ( ألبرت إليس ) وغيره من المعالجين 0

ويشير ( إبراهيم ، 1994) إلى أن الحقبة الأخيرة من النمو في علم النفس قد شهدت ما يشبه مراجعة النفس فيما يتعلق بحقيقة مواقفهم من مفاهيم تعوق خطى نموهم ، فبدأنا نشهد رفضا للتصورات السالبة عند الإنسان 0 وبدأ التأكيد على أن هناك حاجات في داخل كل شخص تدفعه إلى الارتقاء وتحقيق الذات والتغيير من خصال شخصية بأفعال مقصودة 0 ويستخدم المعالجون المعاصرون الوعي والاستبصار في العلاج ، ولكن بطريقة أخرى 0 وهنا نقول أن الشخص يكون لديه استبصار بمشكلاته عندما يكون مدركا إدراكا دقيقا للشروط السابقة ، والنتائج أو الاستجابات البيئية التي يثيرها ظهور هذا المشكلة 0

ويظهر أن ( ريمي ) أتجه في دراسته هذه نحو الاتجاه الإنساني لتأثره بنظرية الذات 0 ولذلك نجد كل مفهوم لديه بدايته بالذات ، وكأنه لاحظ أنه يجب أن يرى أثر المعتقدات في الذات ، وماذا تفعل به 0 ويرى أن ذلك هو السبب في الاضطراب 0

• أسباب الاضطرابات النفسية القائمة على فرض التصور الخاطئ عند ( ريمي ) :

1ـ يرى ( ريمي ) أن الاضكرابات النفسية تنشأ نتيجة للمعتقدات أو القناعات الخاطئة 0 وعندما يتم تصحيحها وتعديلها فإن ذلك يؤدي إلى عملية الصحة النفسية ، وتزول الاضطرابات لدى الفرد 0

2ـ يرى ( ريمي ) أن التصورات الخاطئة حول الذات تلعب دورا كبيرا في تحديد أنواع السلوك الذي يرغب فيه الفرد ، وأنها قد تدفع الفرد إلى سلوك غير متعقل ، وبالتالي يحدث لديه انهزام مستمر 0

3ـ إن تصحيح التصورات الخاطئة يصبح عادة ، عن طريق الخبرة أو التدريب أو العلاج 0 ومثال ذلك : المسترشد يقول : أنا على غير وفاق مع شخص ما ، ولكن حينما تعاملت معه وجدته طيبا 0 وهنا لعبت الخبرة دورا في تصحيح هذا التصور المتعلق بالآخرين 0 أما فيما يتعلق بالتصورات الخاطئة حول الذات ، فإنها تمتنع عن طريق التدريب أو الممارسة أو الخبرة وهذا ما أطلق عليه ( المتناقضة العصبية ) 0

4ـ يذكر ( ريمي ) أن هذه المتناقضة العصبية والمسؤول عنها هو الوعي الشعوري ، حيث يقوم بتكوين ميكانزمات دفاعية ، يطلق عليها التصورات الدفاعية الخاطئة ، والتي تؤدي إلى كون الفرد محجوبا عن أن يعرف يعرف المعتقدات الخاطئة لديه ، وبالتالي تصحيحها 0 وهذا ما أطلق عليه ( مغالطة المدرس ) 0

5ـ من التصورات الخاطئة ، إحساس الفرد بأنه مهم ، ومن ثم ينمو لديه هذا المفهوم نتيجة المبالغة الزائدة في الأهمية الذاتية فيما يسمى بــ ( عقدة العظمة ، أو العجب ــ الغطرسة ) 0

ويكون الفرد مشغولا باستمرار حول هذا الإحساس ، والذي تشبع به ، ويسعى لكي يعترف الآخرون بتلك الأهمية 0 فإذا لم يتحقق له ذلك بدأ في محاولات الدفاع عنه بشكل فظ 0 فإن لم تنجح نتج لديه مشكلات نفسية خطيرة 0

6ـ فيما يتعلق بحالات الاكتئاب والوسواس وغيرها ، فإن ( ريمي ) يرى أن سبب ذلك يعود لعدد من التصورات الخاطئة عند الفرد 0



• تصور النظرية للنفس البشرية :

هذه النظرية تقع داخل إطار الاتجاه الإنساني ، فهي تنظر إلى الإنسان على أنه خيّر ، وأنه قادر على أن يحقق حالة التوافق والسواء مع نفسه ، ومع الآخرين ، ومع العالم من حوله 0 وهذا يكون من خلال تصحيح معتقداته ، وقناعاته الشخصية 0 وقد ركزت هذه النظرية على بعض الجوانب المهمة في الشخصية ، وخاصة ما يتعلق بالمفهوم الخاطئ لدى الكثير من الناس حول إحساس الشخص بأنه مهم ، وهذا التصور قد ينمو مع الفرد منذ الصغر ، ويتعلمه ويدافع عنه ، فإن لم يتحقق له ذلك انبرى على ذاته وتولد لديه حالات من عدم التواضع ، وهذا يشاهد ويلاحظ لدى الكثير من الناس 0

إن العلاج المناسب وخاصة في وطننا العربي ، هو العلاج المعرفي ، وذلك لتميزه بكون المعالج هو محور العلاج 0 وهذا يتوافق مع طبيعة التربية المحلية 0

وقد أشار ( الجلبي ، واليحيا ، 1416) بقولهما : " إن العلاج المعرفي يعد من أكثر أساليب العلاج النفسية ملاءمة لمجتمعنا وطبيعة المريض عندنا 0 فالمعالج هنا هو الذي يعطي إرشاداته إلى المريض ، وهو الذي يدير الجلسة ، ويعطي النصائح 0 وهذا يتناسب مع طبيعة المجتمع العربي الأبوي ، الذي ينظر إلى المعالج بمنظار المعلم أو الأب 0 وقد تم تجريب العلاج المعرفي بالفعل في المملكة العربية السعودية ، وأجريت دراسة نظامية حول تطبيق هذا العلاج في المنطقة الشرقية ، وبينت نجاحها ، وقدمت هذه الدراسة في إحدى الندوات الطبية النفسية في الظهران عام 1984 0

ويمكن أن يضاف إلى ذلك ، أننا نستطيع بواسطة العلاج المعرفي أن نذكر الفرد ببعض الآيات القرآنية المفسرة والموضحة لما يعاني منه الكثير من تصورات خاطئة ، وذلك لتصحيح المواقف الذهنية ، والتصورات الخاطئة 0 ويستعين المعالج بما ثبت من أحاديث شريفة عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام 0 وكذلك بما يحمله التراث العربي من قصص شعبية ، وحكم دارجة 0 ومن الآيات الكريمة التي يمكن الاستشهاد بها ، قوله تعالى : { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } ( لقمان : 18 ) 0

• وجهة نظر وتعقيب حول النظرية :

يذكر ( باترسون ، 1986) أن نظرية ( ريمي ) أنها نظرية ملائمة أكثر من غيرها ، وذلك لأنها:

1ـ تعطي اهتماما أكثر للأساس النظري 0

2ـ تقدم بطريقة نسقية ومتكاملة مع مفهوم مجموعات التصورات الخاطئة ، وتنظيمها للأساليب الفنية للعلاج 0

3ـ تعطي حصرا ممتازا للجوانب المعرفية للنظريات الرئيسية الأخرى ، مما ينتج عنه طريقة انتقائية ( توفيقية ) 0

4ـ تتعامل مع مشكلة العلاقة بين الجوانب الوجدانية ، والجوانب المعرفية ، رغم أن ذلك ليس كافيا تماما 0

ورغم ذلك فإن بث المبادئ والقيم في النفس البشرية ، مهمة شاقة ومتعبة ، وفيها الشيء الكثير ، وتحتاج إلى ثقافة ودراية بخبايا النفوس 0 فهي تهدف إلى تغيير قناعات ومعتقدات قد وصل إليها الفكر الإنساني واستنتجها عبر سنوات من الأفكار والتجارب ، والمواقف والقراءات ، حتى رسخ وتشكل لدى الفرد وجهة نظر خاصة تجاه الأشياء من حوله والآخرين ، عبر استنتاجات يعتقدها ويتمسك بها ، بل قد يجاهد من أجلها ، وهي في الأخير أفكار أو معتقدات وصل إليها واستراح عندها 0 وهذه القيم سواء كانت صحيحة أو خاطئة تختلف من شخص لآخر في الدرجة والنوع معا 0

ولهذا كان تعديل النفوس أصعب بكثير مما يتصوره البعض 0 وعملية التغيير أو الإقناع ، أو تغيير المعتقدات لدى الأفراد مهمة لا يتمكن منها إلا النادر من الناس 0 ومن ثم فإن من يحاول أن يكون مصلحا أو مرشدا ، أو معالجا نفسيا ، فعليه أن يتزود بالعلم أولا ، ثم بالطرق السلمية التي تعتمد على المنطق والإقناع 0

ولذلك قيل عن التربية : " إنها مهمة صعبة ، من لا يحسنها يعكسها ، لتصبح ، قلقا ، وخوفا وحذرا ، بلا فائدة " 0

نظرية الجشطلت : الأصل التاريخي للجشطلت :

لم تكن الجشطلت وليدة العقد الأول من القرن العشرين ولم تكن بالمنبع الألماني الأول الذي أورد العالم بحيوية جديدة في ميدان علم النفس خاصة في مجال الإدراك وإنما قد تشعبت بها سبل الماضي بين دفات الحضارات المختلفة تتواصل به عبر العصور والأحقاب ولا يسوقنا مثل هذا القول بالجزم بأن الجذور التاريخية للجشطلت هي نفس ما عليه الجشطلت الآن وإنما قد يشوبها النقص حينا والخطأ حينا آخر وإن كان هناك اتفاق على مبدأ الكلية فلا يأتي باحث بنقض ما أخطه من رأى أرسطو لأنه أقرب للفلسفية منه إلى مجال السيكولوجي كحقل علمي تجريبي وإنما شفيعي في ذلك أن لكل نظرية جذور ما هي إلا أفكار أو إرهاصات تتحاملها الأزمنة إلى أن تستقر وتنضج في الشكل المسمى لها والمتعارف عليها . لقد ذهب العقل اليوناني في العصور القديمة إلى رأيه في المسألة الكلية في إطار دراسته للعالم والهيولي والحكمة فرأى أرسطو أن الكائن الأول ينبغي أن يكون واحدا غير متجزئ لأن الأجزاء تسبق الكل المتجمع منها 0

وكان لعلماء المسلمين ثمرة في العلم بأمر الكلية فإن ابن سينا يرى أن الإنسان والحيوان وحده هو الذي يدرك الكليات بالنفس الناطقة التي لها الملكات المصورة والمفكرة والوهم والحافظة أو الذاكرة أي أنها الحس المشترك الذي يؤلف بين آثار الحواس المختلفة ويجمع ما تفرق من المعاني والصفات . وفي مقابسة أبي حيان التوحيدي في الفرق بين الكلى والكل يرى أبو سليمان أن الكل إن رفع منه واحد من أجزائه بطلت صورة الكل 0

ومع توالى الدهور جاء كانط بوحدة الفعل الإدراكي ، فإننا ندرك أشياء يمكن أن تقسم إلى أجزاء و إن كانت هذه الأجزاء تنتظم بشكل قبلي ، ثم جاء بعد ذلك برنتانو الذي أكد على أن علم النفس علم دراسة الخبرات النفسية عملا وفعلا أكثر من كونه دراسة لمحتواها ، وجاء لنا أرنست ماش بتحليل الإحساس مقرا أن المسافة والزمن مستقلان عن عناصرهما الجزئية ، ولا ينكر أحد أن تقدم العلوم الطبيعية كان لها أثر تاريخي بالنسبة للجشطلت فقد سعت العلوم الطبيعية إلي قوانين شمولية تنتظم تحتها موضوعات عديدة وقد يأخذني المبحث بعيدا بعض الشيء في أغوار التنقيب التاريخي لأصل الجشطلت ليصب روافده في نفس الوعاء الحقبي ، ففي مباحث نشأة العقيدة الإلهية عند الإنسان نجد أن جاء اعتقاده بكل آلهة قومه وأدرك كونها وأفعالها ولما كان التفكير لاحقا علي عملية الإدراك فقد انتقل من طور تعدد الآلهة إلي طور التمييز والترجيح بينها ثم إلي طور الوحدانية .

مؤسسو حركة الجشطلت :

ماكس فريتمر :

ولد بمدينة براجو بألمانيا وانتهى من دراسة الجيمنزيم وهو في الثامنة عشرة من عمره ثم درس القانون واتجه بعده فجأة إلي دراسة الفلسفة مع علم النفس في جامعة برلين وإن حصل على درجته العلمية الجامعية من جامعة فرزبورج 1904كذلك درجة الأستاذية من جامعة فرانكفورت 1929 وخلال الحرب العالمية الأولى أسهم فرتيمر فيها من خلال أبحاثه التي تخص عمل التصنت علي الغواصات البحرية . كان فرتيمر من أوائل الذين هاجروا إلى أمريكا فوصل نيويورك عام1913 وقضي بها بقية حياته إلى أن وافته المنية بها وكانت سنوات إقامته بها حافلة بالمناشط والأبحاث التربوية وإن كانت أقل الإنتاج عددا بين مؤسسي حركة الجشطلت كما أجمع المؤرخون .

كيرت كوفكا :

تلقى تعليمه حيث ولد بألمانيا،ودرس العلوم والفلسفة في شبابه في جامعة أدنبرة (1903ـ 1904) وبعد عودته إلى برلين درس علم النفس وحصل على درجته العلمية عام 1909 تحت إشراف كارل ستمف ، وبدأ مشوار العمل مع فرتيمر وكهلر وفي عام 1911 عمل بجامعة جيشن التي تبعد عن فرانكفورت بأربعين كيلومتر حتى عام 1924وعمل خلالها بوحدة للطب النفسي اهتم فيها بمعالجة أمراض الكلام وحالات الانهيار العصبي ، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى أصبح علم النفس الأمريكي على دراية بحركة الجشطلت ومن ثم طلب من كوفكا أن يكتب عن الجشطلت فخط كتابه (الإدراك ـ مقدمة لنظرية الجشطلت) قدم فيه المفاهيم

الأساسية للجشطلت وعلي الرغم من أهمية هذا الكتاب إلا أنه عرقل من انتشار الجشطلت في أمريكا إذ أوحى عنوان الكتاب باقتصار الجشطلت في دراستها علي موضوع الإدراك ، وفي عام 1921نشر كوفكا كتابه (نمو العقل) وهو كتاب في علم نفس الطفل ولاقى نجاحا كبيرا في ألمانيا وأمريكا ثم عمل كوفكا أستاذا زائرا بجامعةكورنل وسميث عام 1927 ، وفي عام 1933 قام بدراسات على شعوب وسط آسيا ثم توفر بعد ذلك على تأليف كتابه (مبادئ علم نفس الجشطلت 0

كهلر :

ولد بمنطقة البلطيق وانتقلت أسرته إلى شمال ألمانيا وتلقي كهلر تعليمه في جامعات توبنجن وبون وبرلين وحصل على إجازته العلمية من جامعة برلي تحت إشراف كارل ستمف ، وفي عام 1913 دعته الأكاديمية الروسية إلى تنريف إحدى جزر الكناري لعمل دراسة على الشمبانزي ثم حالت الحرب العالمية الأولى دون مغادرته تنريف بعد إقامته بها ستة أشهر وأنجز عمله الرائع هناك (عقلية القردة) ثم عاد كهلر إلى ألمانيا عام 1920 وخلف مكان كارل ستمف في جامعة برلين وحاضر في جامعة كلارك وهارفورد ،ترك كهلرألمانيا عام1935 بسبب صراعه المستمر مع النازي وعلى الرغم من أن كهلر لم يكن يهوديا إلا أنه طرد ضمن حركات طرد اليهود ولقد منح كهلر جائزة الإنتاج التميز من جمعية علم النفس الأمريكية وكانت كتابات كهلر من المظهر الممتاز لحركة الجشطلت ، وكان كهلر من مشجعي تطبيق الفيزياء في المجالات الأساسية لعلم النفس .

الإدراك 00 الخطوة الأولى لنقد البنائية وقيام الجشطلت

تجربة فريتمر :

لقد نشأت فكرة الجشطلت كنوع من الإلهام الذي هبط على رأس فريتمر عندما كان يستقل قطارا وخطر بباله أنه إذا كان هناك ضوءان ينطفئ كل منهما ويضيء بشكل متتال فسيظهران كما لو كان نقطة مضيئة واحدة تتحرك إلى الأمام أو إلي الخلف ،فلما وصل إلى فندقه اشترى آلة ستربوسكوب وأخذ يجرى بعض التجارب ليتأكد من صدق ما أدركه 0

وفي فرانكفورت عام1912 كان فريتمر يقوم ببعض التجارب على رؤية الحركة وكان كوفكا وكهلر يقومان بدور أشخاص (موضوعات التجربة) والمشكلة يمكن أن تعد مشكلة في علم نفس صور الحركات ولعله ليس معلوما أن صور الحركة قد بدأت أصولها منذ مائة عام تقريبا وأنه قد اخترعها عالم نفسي أو على الأقل عالم فسيولوجي كان أحد السابقين إلى علم النفس التجريبي وأعني به (بلاتو ) الذي ابتكر طريقة بسيطة لعرض مجموعة من الرسومات في تتابع سريع بحيث ترى كل واحدة منها في مجرد لمحة عابرة ،فأما إذا كانت الرسوم تعرض حيوانا في مشاهد متتابعة لحركة ما فإن الملاحظ حين يرى تتابعا سريعا لهذه الصورة الساكنة كان يحصل له تأثير بالحيوان متحركا والذي حدث حينئذ في فن الصور المتحركة هو اختراع التصوير وتقدم آلة التقاط الصور المتحركة تأخذ سلسلة من الصور الخاطفة كل منها مأخوذ على حدة كمجموعة من المناظر الثابتة في غير ما حركة للصورة على الشاشة وجهاز الإلقاء هذا يقطع الضوء أثناء حركة الشريط من منظر إلى الذي يليه لأنه إذا سمح للصورة أن تتحرك فعلا على الشاشة فإن النظارة سيشاهدون بقعة بدلا من أن يروا حركة الأشياء المصورة فإذا رأيت ما يعرض فيزيقيا على الشاشة فسوف تري مجموعة من المناظر الثابتة تفصل بينها فترات من الظلام وعلى أي حال لن تستطيع أن ترى ما يعرض فيزيقيا ، فأولا أنت لا تستطيع أن ترى فترات الظلام لأن الإحساس البصري يستمر أكثر من المنبه الفيزيقي ويظل حتى العرض التالي على ألا تكون الفترة طويلة جدا فإذا كانت طويلة أكثر مما ينبغي فإنك تحصل على بعض تلألؤ ،ثانيا أنت لا تستطيع أن ترى سلسلة المشاهد التالية .لأن مخك بهذه الطريقة أو تلك يستجيب إلى هذا النوع من المنبه برؤية الحركة خلال مجموعة المواقف ذاتها كل على حدة وأنت تعلم أنه في مراقبة شخص يمشي أو يجري فعلا فأنت لا تستطيع أن ترى النقط التي يمر فيها لأنك إذا أخذت صورة خاطفة له أثناء حركته فإنك تجد غالبا أن الصورة تبين غالبا ما يشبه موقف غريب جدا وقلما تستطيع أن تصدق أنه افترض هذا النوع في مجرى حركته ومع هذا فإن المصورة لم تكذب فإذا وضعت هذه الصورة الخاطفة في سلسلة من المناظر المتعاقبة وعرضت المجموعة على الشاشة فإن حركة الشخص ستبدو طبيعية تماما والحقيقة إذا أنك لم تستطع أن تستخرج المواقف المتتابعة لا من الحركة المستمرة ولا من سلسلة من المناظر الثابتة ،تمثل هذه المواقف في تعاقب سريع فأنت مضطر في حكم تركيبك العضوي أن ترى الحركة وكأنها كل مستمر لا كمجموعة من المواقف المتعاقبة ولدينا هنا مشكلة هامة وواقعية جدا في ديناميكا النشاط العقلي وليس من حلها أن نشير إلى تتابع الصور الساكنة كعناصر للتجربة الكلية فيما يتعلق برؤية الحركة لأن هذه العناصر لا تكون الحركة التي تتطلب تفسيرا، وفي معالجة هذه المشكلة اقتنع فريتمر أن محاولة التقدم بتحليل الخبرة الكلية لرؤية الحركة إلى عناصرها لم تكن تؤدي إلى شيء شأنها شأن المواقف المتتابعة وبدا له أن خط التقدم هو أن يدرس الشروط التي تحتها تبدو أولا الحركة فبسط الصور إلى الحد الذي يبين فقط خطا طوليا ثم خطا مشابها بعد قليل إلى اليمين أو اليسار خطان الواحد بعد الآخر بينهما مسافة الفراغ وجعل ينوع طول مسافة الفراغ فإذا كانت طولها ثانية رأى الملاحظ مجرد خط ثابت ، ثم الخط الآخر الثابت وفقا للحقيقة الفيزيقية تماما ثم تقدم فأنقص مسافة الفراغ فيما بين طرفي الخطين فاقتطعهما إلى 1/5 ثانية وما زال الملاحظ يرى أولا خطا ثابتا ثم الآخر فقطع المسافة مرة أخرى فبدأ الملاحظ منظر الحركة فيما بين الخطين الأول والثاني فلما قلل المسافة إفى1/15 رأى الملاحظ حركة واضحة من النقطة الأولى إلى الثانية وبدا أن خطا مفردا يتحرك بينهما فلما ظلت المسافة تقل أصبحت الحركة أقل وضوحا وفي فترة 1/30 من الثانية لم تبق أية حركة ظاهرة وإنما بدا الخطان ساكنان جنبا إلى جنب ونوع فرتيمر التجربة بطرق كثيرة فإذا عرض خطا أفقيا يصحبه خط طولي ظهر ثمة خط يتذبذب خلال 90 درجة وبتصويرات مناسبة استطاع أن يحصل على خطين يبدو أنهما يتحركان في اتجاهات متعارضة في نفس الوقت وتلك كانت نتيجة هامة لأنها حددت تفسير حركة العين فلما لم تستطع العينان أن تتابعا في نفس الوقت حركتين في الاتجاهين المتعارضين اقترح فريتمر تفسيرا يفترض بمعنى عام أن عمل المخ لمنبهين متتابعين يكون في تغير مستمر بمعنى أن المخ لم يقف أولا على موقف ثم موقف ثاني ثم يتقدم فيركبهما في إدراج للحركة ولكن عندما وصل الموقفان إلى مسافة ملائمة للموقف الأول بحركة تدريجية في الاستجابة للموقف الثاني فالحركة لم تستنبط وإنما تحس فعلا لأن عملية الإدراج الأولى للمخ كانت عملية حركة أو انطلاق 0

الإدراك والكل المنظم :

إن الإدراك غير متجزئ أي أن إدراك الكل سابق على إدراك الجزء فنحن لا نشاهد في الحياة العناصر قبل الكل المركب منها فكما أن الكائن الحي يوجد في الحياة من حيث هو كل وظيفي يعمل كوحدة وأنه بواسطة النمو المستمر تحدث عملية تخصص أعضائه لمهمات خاصة كذلك الحال في الإدراك إذ يحدث الإدراك للكل قبل الأجزاء ثم بعد إدراك الكل يحدث تفصيل للأجزاء وهذا ما يؤكده جيوم بأن الجشطلت يمكن أن تنطوي على تمفصل داخلي على أجزاء أو أعضاء طبيعية تضطلع ضمن الكل بوظائف محددة فالجزء في كل هو شيء يختلف عن هذا الجزء منعزلا أو في كل آخر 0

ويرتبط الكل المنظم بمسألة التعبير الوجهي والانفعالي للشخصية فإن علماء النفس الآخرين قد نزعوا نحو دراسة تحليلية لهذه المسألة فيناولوا كل شكل على حدة معتبرين ما يتخذ من أوضاع مختلفة محاولين أن يكشفوا عما يعبر عنه كل منها والقوانين التي ينم عنها انخفاض الحاجبين واتساع الحدقة وإغماض العين نصفيا وإبراز وضم الشفتين ، كل هذه التفاصيل ربما تدل على حالة انفعالية بسيطة نسبيا وبضمها إلى بعضها البعض نحصل على تعبير على حالة انفعالية مركبة ويعرض عالم النفس الجشطلتي إلى هذه المسألة بفكرة أن الوجه يجب أن يعتبر شيئا آخر إلى جانب مجرد الوجه في مجموعة فعلية أن يقيم وزنا للأشياء بطريقة ما ،ولكنه ينظر إليها في صلتها بالمجموع فإن التعبير الظاهري لجزء ما يمكن أن يتغير عندما يتغير بقية الوجه في غير تغيير خارجي لهذا الجزء الخاص أو إذا كان الجزء الأعلى من الوجه بما فيه العينان يعرض أولا ثم يكون بقية الوجه غير مغطاة فإنه يبدو أن العينين ذاتهما تغيران تعبيرهما ، وفي أثناء اشتغاله بظلال الأشخاص وجد أن مجرد تغيير طفيف لجزء من البر وفيل ربما بدا أنه يغير خط الوجه كله ويعطي للكل شخصية مخالفة بينما تغييرات أخرى ربما كانت كبيرة في ذاتها ولكنها تحدث قليلا اختلاف في التعبير الكلي فمن الواضح أن شكل الوجه يوجد في الوجه ككل (8).ومن ثم كانت أبحاث نظرية الجشطلت موجهة في بدايتها إلى سيكولوجية الإدراك ،والإدراك هو الخطوة التي تلي الإحساس إذ أن الإدراك يتضمن شيئا من الوعي والتمييز الذي لا يمكن أن يتم بدون الإحساس ومن المعروف أن الإدراك يتبع الإحساس في جميع أنواعه من إحساس بصري أو إحساس سمعي والمهم في فكرة الجشطلت عن الإدراك أن المدركات التي ندركها تتأثر بعوامل معينة تتحكم في إدراكنا لها وتمييزها عن غيرها مما يوجد في المجال المحيط بنا وأننا ندرك الأشياء التي تقع تحت حسنا كوحدات كلية وإن كنا بعد ذلك نحاول التدقيق في تفاصيلها 0

نقد الجشطلت للبنائية :

استخدمت البنائية منهج الاستبطان لتكشف به كمياء العقل فقد كانت متأثرة بنجاح علم الكيمياء الفيزيائية وحاولت مثله أن تعزل عناصر الفكر التي كانت في رأيهم تتجمع لتؤدي إلى الخبرات العقلية المركبة وكان اهتمامها ينصب على دراسة الوجه العقلي للإحساس وكانت التجربة الإستبطانية ببساطة هي أن يصف الإنسان خبرته الخام دون اللجوء إلى ذكر أسماء أو أوصاف الأشياء بل يذكر ما يحس به فقط ولقد عارضت مدرسة الجشطلت البنائية لأنها تعتمد على تفتيت السلوك بعبارة أخرى تتبع منهج اختزالي يحاول رد الكليات إلى عناصرها الأولية لم ير أصحاب مدرسة الجشطلت عيبا في منهج الاستبطان ولكنهم قالوا بأن البنائية لم تستخدمه الاستخدام الصحيح فبدلا من أن تستخدمه في دراسة الكليات استخدمته في تفتيت هذه الكليات وهذا ما سماه علماء الجشطلت سيكولوجية الطوب والمونة مع التشبث بالطوب لأن الصعوبة هي في إيجاد المونة 0ومن جهة أخرى فالعناصر النهائية للتحليل للواقعة العقلية لا يمكن للشعور أن يبلغ إليها فكأنها ظواهر نفسية لا شعورية وهذا المفهوم ممكن أن يتبدى في صورتين ، وهما :

1ـ الصورة الأولى ــ يفقد العنصر فرديته في الإئتلاف الذي يدخل فيه ولكننا ما نزال نقتدر على ملاحظته في حالته النقية في ظروف أخرى فاتسامه باللاشعور مسألة عارضة .

2ـ الصورة الثانية ــ يكون العنصر لاشعوريا بطبيعته ذلك أنه لم يوجد قط إلا ضمن ائتلاف ولكن في هذه الحالة كما في تلك لا يستند التحليل بصورة مباشرة إلى الملاحظة .

قواعد الإدراك التنظيمي عند الجشطلت :

إن قوانين الإدراك التنظيمي لا تنطبق على مواقف الإدراك وحدها وإنما تنطبق على كافة أوجه نشاط الفرد وسلوكه وخاصة في مواقف التعلم ويضرب كوفكا مثالا لذلك بقانون الغلق وكيف أنه ينطبق على مجال الإدراك كما ينطبق على مواقف التعلم المدرسي فيعتبر أن دائرة غير مغلقة تجعلنا نميل إلى إغلاقها0

أولا ــ قاعدة الشكل والأرضية :

أساس عملية الإدراك إذ ينقسم المجال الإدراكي لظاهرة ما إلى قسمين ، وهما :

1ـ القسم الأول ــ الشكل السائد الذي يكون مركز للانتباه 0

2ـ القسم الثاني ــ هو الأرضية أي بقية المجال الذي يعمل كخلفية متناسقة منتشرة يتضح عليها الشكل كما يتضح الماس على أرضية من المخمل الأسود فنحن عندما ننتبه إلى ظاهرة يكون هذا هو الشكل بينما كل ما يحيط بها هو الأرضية 0

ثانيا ــ قاعدة الاستمرار أو الاتجاه :

تقرر أننا نميل إلى إدراك الأشياء التي تتصل ببعضها البعض أو تسير في نفس الإتجاه بحيث لا تسير في الاتجاه الذي تميل فيه .

ثالثا ـ قاعدة التقارب :

وتقول بأن الموضوعات القريبة من بعضها البعض في الزمان والمكان نميل إلى إدراكها في كليات .

رابعا ــ قاعدة التشابه :

نحن نميل إلى إدراك العناصر المتشابهة في بناء كلي واحد .

خامسا ــ قاعدة المصير المشترك :

تقرر هذه القاعدة أننا نميل إلى إدراك العناصر في أشكال مكتملة إذا ما كان يجمعها حركة مشابهة وذلك مثلما تنفصل أنوار الطائرة في الليل عن بقية نجوم السماء أو مثلما ندرك مجموعة من الخيل في السباق وكأنها وحدة واحدة متحركة .

سادسا ــ قاعدة الشمول :

نميل إلى إدراك الشكل الذي يشمل أكبر عدد من المنبهات فإذا اختفي شكل داخل شكل أكبر رغم اختلافه الواضح عنه فإننا سندرك الشكل الأكبر وتعتمد فكرة التمويه على هذه القاعدة فالجندي الذي يرتدي ثيابا ذات بقع خضراء لا يمكن تمييزه داخل غابة من الأشجار .

سابعا ــ قاعدة الإغلاق :

نميل إلى إدراك الأشكال الناقصة باعتبارها مكتملة فعندما ينظر شخص إلى دائرة لا يتصل طرفاها فإنه يدركها مكتملة بغض النظر عن هذا الانقطاع0

نظرية العلاج السلوكي المعرفي Cognitve Behavior Modification ( ميكينبوم ) Meichenbaum

واضع النظرية هذه هو دونالد هربرت ميكينبوم ، وهو أمريكي الأصل ، ولد في مدينة نيويورك عام 1940 وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية المدينة عام 1962 ثم التحق بجامعة إلينوي فحصل على درجة الماجستير عام 1965 وحصل على درجة الدكتوراه في علم النفس الكلينيكي عام 1966 0 وقد عمل في جامعة واترلو في أونتاريو بكندا منذ عام 1966 ، وقد كتب ميكينبوم مجموعة من المراجع حول الإرشاد والعلاج السلوكي المعرفي ، وكذلك طريقته التي اشتهر بها : التحصين ضد الضغوط النفسية Stress Inoculation

• الخلفية النظرية والتطور : لقد وضع إلبرت إلس نظرية في العلاج العقلي العاطفي وركز على أهمية الحديث الداخلي في تعديل السلوك ، واعتبر أن نتائج السلوك لا تكون حصيلة تفاعل مثير واستجابة ، بل إن ذلك أفكارا مسؤولة عن حدوث النتائج 0 ثم جاء ( ميكينبوم ) ليؤكد على نفس الاتجاه حيث أشار بأن عملية التعلم لا يمكن أن تنحصر في مثير واستجابة كما ترى تلك النظرية السلوكية ، بل رأى أنه إذا أردنا تغيير سلوك فرد ما فلا بد أن يتضمن ذلك معتقداته ومشاعره وأفكاره ، فالأفكار هي التي تدفع الفرد إلى العمل ، وقد أشار كل من ( دولارد ، وميللر ) على أن العنونة والتسميات واللغة والعمليات العقلية العليا لها دور رئيس في عملية التعلم ، ويشير هذا الاتجاه المعرفي إلى : ـ

أ ـ إمكانية حدوث استجابات مختلفة لنفس المثير 0

ب ـ استجابات متشابهة لمثيرات مختلفة 0

لذلك فالعلاج لا يقتصر على التحكم في الاشراط السلوكي والإرتباط الشرطي بين مثير واستجابة ، بل أن هناك عوامل أخرى تلعب دورا في عملية التعلم وهي :ـ

1ـ التفكير 0 2ـ الإدراك 0 3ـ البناءات المعرفية 0 4ـ حديث الفرد الداخلي مع نفسه 0 5ـ كيف يعزو الأشياء 0

وهذه كلها تتدخل في عملية التعلم وتتوسط بين المثير والاستجابة ، وهذه لها دور في التأثير على سلوك الفرد ، فالطالب الذي يرسب في الاختبار يصاب بالاكتئاب ، والإكتئاب سلوك ناتج بسبب تفكير الفرد في الفشل وعزوه لأسباب لنفسه أو للآخرين ، لذلك فمن المفيد معرفة ما يدور في تفكير هذا الفرد ، وكيف يدرك الفشل ؟ وما هو مفهومه عنه ؟

إن التركيز على فهم الفرد كمسؤول عن إحداث سلوكاته يعتبر أساس نظرية ( ميكينبوم ) ولقد استنتج ( ميكينبوم ) بأن للتفكير والمعتقدات والمشاعر والحديث الإيجابي مع النفس ، وتوجيهات الفرد لنفسه ( إعطاء أوامر لنفسه ) ، لها دور كبير في عملية التعلم 0 فعندما كان يقوم بتجاربه وهو يعد للدكتوراه في جامعة ( الينوي ) كان ( ميكينبوم ) يقوم بتدريب المرضى الفصاميين ، ويقوم بتعليمهم الكلام الصحي Healthy Talk عن طريق الإشراط الإجرائي ، وقد وجد أن بعض المرضى يقومون بتوجيه تعليمات لأنفسهم بصوت عال Self-Instructiaons كأن يقولوا ( كن واضحا وصريحا وفي صلب الموضوع ) ، أما التجربة الثانية فقد كانت على أحد المعاقين الذي كان يخرج لسانه للعاملين في المصحة ، وكان يعالج من قبل طالب في علم النفس ويحاول هذا الطالب تعديل سلوكه عن طريق الإشراط المنفر Aversive Conditioning أي يقوم المعالج بإخراج لسانه للمريض لكي ينفر المريض من هذا السلوك ، ومن خلال إحدى المقابلات بين المعالج وبين المريض قال : لماذا يا دكتور لا تطلب مني مباشرة أن لا أخرج لساني ( إعطاء أوامر لإنجاز المهمة ) بدلا من أن تخرج لسانك لي ، وعندها أتبع ( ميكينبوم ) نصيحة المريض وطلب منه الكف عن إخراج لسانه فتعدل سلوكه ولم يعد يخرج لسانه 0 وقد أدت الخبرات التي عاشها ( ميكينبوم ) في تدريبه مع المرضى الفصاميين وغيرهم ، أن يفكر فيما إذا من تدريبهم على أن يتحدثوا إلى أنفسهم بطريقة تؤدي إلى تغيير سلوكهم 0 وقد ركز ( ميكينبوم ) على الحديث الداخلي Inner-speech أو المحادثة الداخلية Inner dialogue ، حديث الذات أو الحوار الداخلي Self –talk في محاولة لتغييرها وكذلك اهتم بالتخيلات Images على أمل أن يعرف ما إذا كانت مثل هذه التغيرات ستؤدي إلى تغيرات في التفكير وفي الشعور والسلوك 0 كما بدأ في تطوير تفسير نظري لوظيفة هذه العوامل في تغيير السلوك 0 وقد عرض نتائجه في شكل تقرير ولم يعرضها في صورة نظرية كاملة أو مصحوبة بالأدلة والممارسة في العملية العلاجية 0 ثم استخدم ( ميكينبوم ) أسلوب التوجيه الذاتي Self- Instruction على الأطفال ذوي النشاط الزائد ، وعلمهم أن يتكلموا مع أنفسهم بحيث يفهموا متطلبات المهمات المطلوب منهم القيام بها وذلك من أجل ضبط سلوكهم واستخدام أسلوب التقليد والنمذجة لتحقيق هذه الغاية بالإضافة للتعزيز والعلاج المعرفي 0 ولقد درب ( ميكينبوم ) كل فرد أن يراقب نفسه وأن يقيم أعماله ، وأن يوجه نفسه إذا كان سلوكه غير مفيد وإعطائه أوامر من أجل تقديم استجابة أفضل ، وكان يطلب منهم إعادة صياغة متطلبات المهمة أو العمل المرغوب القيام به ثم يعطيه تعليمات للقيام بالمهمة بشكل بطيء ، وأن يفكر قبل أن يقوم بالمهمة ، وأن يستخدم خياله لتحقيق الهدف ويقدم له عبارات المديح والاستحسان ، ويعلمه كيف يضع احتمالات تفسر أسباب حدوث السلوك غير الجيد ، وأن يقول عبارة أو جملة ليتكيف مع الفشل ، وعبارة أخرى تشجع على التغلب على المشكلات ، وذلك بالقيام بمحاولة جديدة واستجابة بديلة ومناسبة ومن هذه الجمل مثلا : " كن موضوعيا " و " قف وفكر " و " قم بواجبك " و " أنا لا أوضح ما أقوله ولأحاول مرة أخرى " 0 وقد نجح ( ميكينبوم ) في تعديل سلوكيات الأطفال الذين يعانون من اضطرابات سلوكية ، مثل الاندفاعية ، والنشاط الزائد ، والعدوانية عن طريق استخدام التعليمات الذاتية Self-Instructions وقد أدى استخدام هذه الطريقة مع طرق الإشراط الإجرائي إلى إعطاء نتائج أفضل 0 وقد خلص ( ميكينبوم ) من هذه البحوث إلى أن التدريب على التعليمات الذاتية يمكن أن يكون فعالا في تغيير الأنماط المعرفية ، وكذلك الخاصة بعزو attributio السلوك ، ولكنه حذر في نفس الوقت من أن فاعلية هذه الطريقة لم تتأكد بعد 0 وقد استخدم طريقة بعد ذلك في تدريب حالات الفصام على تعديل سلوكهم حيث اشتملت التعليمات اللفظية التي يقولونها لأنفسهم على :

1ـ إعادة صياغة مطالب المهمة أو الواجب 0

2ـ تعليمات ( إرشادات ) بأداء المهمة ببطء ، وأن يفكر قبل التصرف 0

3ـ أسلوب معرفي باستخدام التخيل في البحث عن حل 0

4ـ عبارات تقدير للذات 0

5ـ مثال لاستجابة ضعيفة أو خاطئة يتبعها سبب عدم ملاءمتها 0

6ـ عبارة تصف كيفية التعامل مع الفشل ، وكيفية الوصول إلى الاستجابة المناسبة 0

• افتراضات النظرية ومفاهيمها :

انطلق ( ميكينبوم ) من الفرضية التي تقول : بأن الأشياء التي يقولها الناس لأنفسهم Verba Lizations تلعب دورا في تحديد السلوكيات التي سيقومون بها ، وأن السلوك يتأثر بنشاطات عديدة يقوم بها الأفراد تعمم بواسطة الأبنية المعرفية المختلفة 0 إن الحديث الداخلي أو المحادثة الداخلية ، يخلق الدافعية عند الفرد ويساعده على تصنيف مهاراته ، وتوجيه تفكيره للقيام بالمهارة المطلوبة 0 ويرى ( ميكينبوم ) بأن تعديل السلوك يمر بطريق متسلسل في الحدوث ، يبدأ بالحوار الداخلي والبناء المعرفي والسلوك الناتج 0 إن الاتجاه المعرفي يركز على كيفية تقييم الفرد لسبب انفعاله وإلى طريقة عزوه لسبب هذا الانفعال ، هل هو سببه أم هل هم الآخرون ؟ ويرى ( ميكينبوم ) بأن هناك هدفا من وراء تغيير الفرد لحواره الداخلي 0 ويجب تحديد حاجة الفرد للشيء الذي يريد أن يحققه ، والشيء الذي يرغب في إحداثه في البيئة ، وكيف يقيم المثيرات ، ولأي شيء يعزي أسباب سلوكه وتوقعاته عن قدراته الخاصة في معالجة الموقف الضاغط 0 إن إدراك الفرد يؤثر على فسيولوجيته ومزاجه 0 ويرى ( ميكينبوم ) أن الانفعال الفسيولوجي بحد ذاته ليس هو المعيق الذي يقف في وجه تكيف الفرد ، ولكن ما يقوله الفرد لنفسه حول المثير وهو الذي يحدد انفعالاته الحالية 0 ويرى ( ميكينبوم ) بأن حدوث تفاعل بين الحديث الداخلي عند الفرد وبناءاته المعرفية هو السبب المباشر في عملية تغير سلوك الفرد ، كما يرى بأن عملية التغيير تتطلب أن يقوم الفرد بعملية الامتصاص ، أي أن يمتص الفرد سلوكا بديلا جديدا بدلا من السلوك القديم ، وأن يقوم بعملية التكامل بمعنى أن يبقي الفرد بعض بناءاته المعرفية القديمة إلى جانب حدوث بناءات معرفية جديدة لديه 0 ويرى ( ميكينبوم ) بأن البناء المعرفي Cognitive Structure يحدد طبيعة الحوار الداخلي ، والحوار الداخلي هذا يغير في البناء المعرفي بطريقة يسميها ( ميكينبوم ) بالدائرة الخيرة Virtuous Cycle 0 إن على المرشد أن يعرف المحتويات الإدراكية التي تمنع حدوث سلوك تكيفي جديد عند المسترشد وما هو الحديث الداخلي الذي فشل الفرد في أن يقوله لنفسه ، ويجب على المرشد أن يعرف حجم ومدى المشكلة ، وما هي توقعات المسترشد من العلاج ، وأن يسجل المرشد أفكاره ومشاعره قبل وأثناء وبعد مرور المسترشد بالمشكلة التي يواجهها0

• بنية الحديث الذاتي :

ثمة وظيفة ثانية للحديث الذي يتم داخل الفرد وهي التأثير على ، وتغيير الأبنية المعرفية ، والبنية المعرفية هي التي تعطي نسق المعاني أو المفاهيم ( التصورات ) التي تمهد لظهور مجموعة معينة من الجمل أو العبارات الذاتية 0 يقول ( ميكينبوم ) : " ما أقصده بالبنية المعرفية ، هو ذلك الجانب التنظيمي من التفكير الذي يبدو أنه يراقب ويوجه الاستراتيجية ( الطريقة ) والطريق والاختيار للأفكار " 0 ويقول : وأقصد أن أستفيد من نوع من المشغل التنفيذي Executive Processor يمسك بخرائط التفكير ، ويحدد متى نقاطع أو نغير أو نوصل التفكير 0 إن التغير أو التغيرات تحدث بدون تغيير في البنية المعرفية ، ولكن تعلم مهارة جديدة يتطلب تغييرا في هذه البنية 0 وتحدث التغييرات البنائية عن طريق التشرب Obsorption حيث تندمج الأبنية الجديدة في القديمة 0 وكذلك يحدث عن طريق الإحلال أو الإزاحة Displace ment حيث تواصل الأبنية القديمة مع الجديدة ، وكذلك عن طريق التكامل أو الاندماج Integration حيث تستمر أجزاء من البناء القديم في الوجود في بنية جديدة أكثر شمولا 0 وتقوم هذه الفكرة على أساس آراء نيسر Neisser في متابعته لتصورات بياجية حول التمثل والتوافق 0



• الإجراءات العلاجية :

1ـ إشراط إبدال القلق Anxiety-Relief Conditioning : هذا التكتيك يتمثل في اقتران المثير المنفر مع تعبير الفرد وحديثه الداخلي مع نفسه ، كأن يقول : اهدأ واسترخ ، إذا تحمل الفرد مثيرا غير مستحب لمدة قليلة ، ثم توقف أو أوقف المثير مباشرة بعد إشارة معينة ، فإن هذه الإشارة ستصبح مشروطة مع التغيرات التي سوف تلحق ، وهي إيقاف المثير غير المستحب 0 ومثال ذلك أن يقول المسترشد شيئا مخيفا ، مثل : كلمة امتحان ثم يقول إنه صعب ولن يهتم له 0 ثم يقول عبارات تكيفية تزيل القلق ، والتوتر ، مثل : استرخ ، فأنا أستطيع أن أتعامل معه 0 الأمر الذي يؤدي إلى وقف الخوف ثم الاسترخاء 0

2ـ أسلوب تقليل الحساسية Systemtic desensitization : هذا الأسلوب مأخوذ من نظرية ( ولبي ) الكف بالنقيض Reciprocol inhibition ، أي أنه لا يمكن الجمع بين استجابة القلق ، والاسترخاء في آن واحد 0 ويطلب المرشد من المسترشد أن يكتب هرما بالأشياء التي تخيفه ويطلب منه أن يبدأها من الأقل إخافة إلى الأكثر إخافة ، وبعد أن يكون المرشد قد وضعه في حالة استرخاء فعندما يتخيل أشياء مخيفة في جو استرخاء ، فإن هذه الأشياء المخيفة سوف تنطفي ، وسيكون الفرد أكثر قدرة على التحكم في مشاعره وأفكاره المخيفة 0 وفي هذا الإجراء يطلب المعالج من المسترشد أن يتخيل نفسه أحيانا في أماكن سارة أو يسمع الموسيقى إذا أحس بالتوتر ، ويطلب منه ملاحظة نفسه وهو مسترخ كأسلوب من أساليب التنفيس عن مشاعره 0

رأي الشخصي : بدلا من سماع الموسيقى إذا أحس الشخص بالتوتر ، فإني أشير عليه وأوجهه لأن يتوضأ ويصلي ركعتين ، ويقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة 0 ثم يقول : سبحان الله والحمد لله والله أكبر ، ولا إله إلا الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله 0 ويصلي ويسلم ويبارك على النبي الكريم عليه الصلاة والسلام 0

3ـ النمذجة Modeling : وهي طريقة يحصل فيها المسترشد على معلومات من الشخص الأنموذج ، ويحولها إلى صور ومفاهيم معرفية ضمنية ، وإلى حديث داخلي عنده ليعبر عنها بسلوك خارجي ، وهو تقليد الأنموذج ، ويعطي معلومات وأوامر لتوجيه المسترشد ليقوم بالعمل المطلوب منه 0

4ـ الإشراط المنفر Aversive Conditioning : ومثال ذلك تعريض الشخص المتبول إلى لسعة كهربائية لتنفره من عملية التبول 0 وعندها يقترن ويرتبط التبول بالعقاب ، وهو الصدمة الكهربائية مع تكرار عبارات : أن التبول شيء غير محبب ، ويردد الشخص المُعالج : أنا لا أحب أن أكون غير محبوب 0

• عملية العلاج Therapy Process :

تتضمن عملية العلاج ثلاث مراحل ، وهي :

1ـ المرحلة الأولى ـ مراقبة الذات أو الملاحظة الذاتية Self Observation : حيث يقول ( ميكينبوم ) : " الفرد في فترة ما قبل العلاج يكون عنده حوارا داخليا سلبيا مع ذاته ، وكذلك تكون خيالاته وتصوراته سلبية ، أما أثناء عملية العلاج ومن خلال الاطلاع على أفكار المسترشد ومشاعره وانفعالاته الجسمية وسلوكياته الاجتماعية وتفسيرها تتكون عند المسترشد بناءات معرفية جديدة New Cognitive Structures ، الأمر الذي يجعل نظرته تختلف عما كانت عليه قبل العلاج 0 والأفكار الجديدة تختلف عن الأفكار القديمة غير المتكيفة 0 وهنا تحدث عملية إحلال أفكار جديدة متكيفة محل أفكار قديمة غير متكيفة 0 إن إعادة بناء تكوين المفاهيم هذه تؤدي إلى إعادة تعريف مشكلات الفرد بطريقة تعطيه الثقة والتفهم والقدرة على الضبط ، وهذه جميعها من مستلزمات عملية التغيير 0 إن إعادة تكوين المفاهيم Redoctronizaion ، تساعد على إعطاء معان جديدة للأفكار والمشاعر والسلوكيات 0 إن الخطوة الأولى في عملية العلاج هي أن يعرف المسترشد كيف يتحدث ، أو يعبر عن سلوكه 0 الأمر الذي يزيد من وعيه ، وأن لا يشعر المسترشد بأنه سيكون ضحية للتفكير السلبي ، ويجب على المعالج أن يعرف طرق ( العزو) عند الأفراد وعباراتهم التي يوجهونها نحو ذواتهم 0

2ـ المرحلة الثانية ـ السلوكيات والأفكار غير المتكافئة : Incompatible Thoughts and Behaviours : في هذه المرحلة تكون عملية المراقبة الذاتية عند المسترشد قد تكونت وأحدثت حوارا داخليا عنده 0 إن ما يقوله الفرد لنفسه ، أي حديثه الداخلي الجديد لا يتناسب مع حديثه السابق المسؤول عن سلوكياته القديمة 0 إن هذا الحديث الجديد يؤثر في الأبنية المعرفية لدى المسترشد ، الأمر الذي يجعل المسترشد يقوم بتنظيم خبراته حول المفهوم الجديد الذي اكتسبه ، وجعله أكثر تكيفا 0 وهنا يستطيع المسترشد أن يتجنب السلوكيات المناسبة وفقا للأفكار الجديدة 0

3ـ المرحلة الثالثة ـ المعرفة المرتبطة بالتغيير Cognition Concerrning Change : وتتعلق هذه المرحلة بتأدية المسترشد لمهمات تكيفية جديدة خلال الحياة اليومية ، والتحدث مع المسترشد ذاته حول نتائج هذه الأعمال 0 ويرى ( ميكينبوم ) بأنه ليس المهم أن يركز المسترشد لنفسه حول السلوكيات المتغيرة التي تعلمها وعلى نتائجها التي سوف تؤثر على ثبات وتعميم عملية التغيير في السلوك 0 إن ما يقوله المسترشد لنفسه بعد عملية العلاج شيء هام وأساسي ، وإن عملية العلاج تشتمل على تعلم مهارات سلوكية جديدة ، وحوارات داخلية جديدة وأبنية معرفية جديدة 0 إن على المرشد أن يهتم بالعمليات الأساسية الثلاث ، وهي :

أ ـ البناءات المعرفية 0

ب ـ الحوار الداخلي 0

ج ـ السلوكيات الناتجة عن ذلك 0

وعليه ، فإن عملية العلاج تبدأ بتحديد السلوك القديم المراد تغييره 0 والحديث السالب المتعلق به ، وتحاول استبداله بحديث داخلي جديد متكيف ينتج سلوكا متكيفا يؤثر في تكوين بناءات معرفية جديدة لدى الفرد بدلا من القديمة ، ومن ثم إحداث السلوك المرغوب ، وتعميمه ومحاولة تثبيته 0

• التدريب على مقاومة القلق والتوتر ، أو التدريب على التحصين ضد الضغوط Steress Inoculation Training

1ـ المرحلة الأولى ـ مرحلة الكشف عن القلق : وهنا يجعل المرشد المسترشد على إدراك مشكلته بطريقة عقلانية 0 إن القلق يرفع من مستوى الانفعال الجسدي ، مثل : خفقان القلب ، وسرعة التنفس ، وتعرق اليدين 0 ويكون لديه مجموعة من الأفكار المثيرة للتوتر ، ولديه أفكارا مخيفة ، كالرغبة في الهرب من الخجل 0 ويهدف العلاج إلى مساعدة المسترشد على السيطرة على انفعالاته الجسدية ، وتغيير الكلمات التي يقولها لنفسه حول المشكلة 0

وهناك أربعة مراحل يجب أن يمر بها المسترشد للوصول لهذه الغاية ، وهي :

أ ـ الاستعداد لمواجهة ما يسبب الضيق لديه 0

ب ـ التعامل مع الموقف الذي يسبب هذا الضيق 0

ج ـ احتمالية تأثره بالضيق 0

د ـ تعزيز ذاته لإنجاح عملية التكيف بواسطة عباراته المشجعة 0

2ـ المرحلة الثانية ـ مرحلة التدريب : حيث يقوم المرشد بتعليم المسترشد أساليب التكيف مع المشكلة والتوتر ، وذلك بمعرفة مخاوفه ، والمواقف التي تؤدي إلى توتره ، وطرق التخلص منها ، وتعلم الاسترخاء العضلي 0 أما طريقة التكيف المعرفي فتكون بأن يقول المسترشد : أنه يستطيع أن يضع خطة للتعامل مع الوضع ، وأن يسترخي ، وأنه هو المسيطر على الوضع ، وأن يتوقف إذا شعر بالخوف ، ثم يقول لنفسه : لقد نجحت 0

3ـ المرحلة الثالثة : مرحلة التطبيق : عندما ينجح المسترشد في التدريبات السابقة يُعرّض المسترشد لمواقف تثير توتره ، أو مواقف مؤلمة 0 ويكون المرشد قد علم المسترشد كيفية التعامل مع تلك المثيرات 0

• التطبيقات : الطرق والأساليب الفنية :

أولا ـ طريقة التقدير السلوكي المعرفي Cognitive Behavioral Assessment : من المعتاد في العمل مع حالات الاضطرابات النفسية والعقلية أن يستخدم أحد أسلوبين لتقدير المشكلات ؛ وذلك باستخدام الاختبارات النفسية 0 ففي الأسلوب الأول ، تجرى المقارنة بين مجموعة مرضية ، ومجموعة أخرى ليس لديها اضطرابات 0 أما في الأسلوب الثاني ، فإن نتائج الاختبارات ترجع إلى مجموعة معيارية ( معايير ) وتبحث عن اضطرابات معينة 0 ولوجود عيوب في كلا الأسلوبين ، فإن الإرشاد ، أو العلاج السلوكي المعرفي يتبنى أسلوبا خاصا يعرف بالطريقة الوظيفية المعرفية Cognitive – Functional ، والتي نتحدث عنها باختصار فيما يلي :

1ـ الطريقة الوظيفية المعرفية للتقدير السلوكي المعرفي : يشتمل التحليل الوظيفي للسلوك على تمحيص تفصيلي للمقدمات والنتائج البيئية ( المثيرات والمعززات ) في علاقتها بالاستجابات 0 ويتطلب ذلك تحديدا دقيقا لفئة السلوك ، ومعرفة لتكرار الاستجابات في المواقف المختلفة 0 وترجيح أو ضبط للأحداث البيئية لإظهار العلاقات السببية 0 ويركز التحليل المعرفي الوظيفي على الدور الذي تقوم به الجوانب المعرفية بالنسبة لمخزون السلوك 0 ويحتاج المرشد أن ينخرط في الواجب ، أو المهمة حتى يستكشف العوامل التي تؤدي إلى ضعف الآداء لدى المسترشد 0 ويشتمل تحليل المهام Task Analysis ، على تجزيء الواجب إلى مكونات أو إلى استراتيجيات معرفية مطلوبة للقيام به بدءً بتفهم طبيعة المهمة أو التعليمات 0

2ـ التطبيق الإكلينيكي لطريقة التقدير السلوكي المعرفي : في هذه الطريقة ثمة سءالين نحتاج للإجابة عليهما ، وهما :

أ ـ ما هي الجوانب التي يخفق المسترشد في أن يقولها لنفسه ، والتي إذا وجدت فإنها تساعد على الآداء الملائم ، وإلى السلوك التكيفي ؟

ب ـ ما هو محتوى المعارف الذي يشوش على السلوك التكيفي ؟

وهناك عدة وسائل للإجابة على هذين السؤالين ، منها :

1ـ المقابلة الإكلينيكية : تبدأ المقابلة الأولى باستكشاف للدرجة والاستمرارية الخاصة بمشكلة المسترشد على النحو الذي يعرضها به المسترشد نفسه ، وكذلك التعرف على توقعات المسترشد من العلاج 0 ويمكن الاستفادة في هذه الجوانب من بعض النماذج المتاحة ، مثل نموذج ( بيترسون ) الذي يشتمل على التحليل الموقفي للسلوك 0 كذلك فإن المرشد أو المعالج يطلب من المسترشد أن يتخيل المواقف التي تشتمل على مشكلة ، أو مشكلات شخصية ، وأن يفضي بأفكاره وتخيلاته وسلوكياته قبل وأثناء وبعد هذه الأحداث ( المشكلات ) 0 ثم إن يستكشف وجود أفكار ومشاعر مشابهة لما أظهره المسترشد في مواقف ، أو مراحل مبكرة من حياة المسترشد ، وقد يطلب إليه أن ينظر فيها خلال الأسبوع القادم 0

إن التقدير المعرفي الوظيفي يجعل المسترشد يدرك أن جانبا من مشكلته ينتج عن التعبيرات الذاتية ، وأن بوسعه أن يضبط وأن يغير أفكاره إذا أراد أن يفعل ذلك 0 وربما يكون المسترشد غير واع بما يقوله لنفسه ، ويرجع ذلك إلى أن التوقعات والتخيلات تصبح تلقائية بحكم العادة0 وقد تبدو للفرد أنها جوانب لا إرادية شأنها في ذلك شأن الأشياء التي تكرر تعلمها بشكل زائد0

2ـ الاختبارات السلوكية : في هذا النوع من الاختبارات ، يشترك المسترشد في سلوكيات تشتمل على مشكلته ، سواء في المختبر ، أو في موقف حياة واقعي 0 ويتبع ذلك استكشاف الأفكار والمشاعر خلال هذه الخبرة 0 وفي موقف المختبر فإنه يمكن تصوير المسترشد بالفيديو ، ومن ثم يمكن إعادة عرض شريط الفيديو ومناقشته مع المعالج أو المرشد ، أو أن يطلب من المسترشد أن يفكر بصوت عال أثناء الاختبار السلوكي 0 ورغم أن مثل هذا الأسلوب الذي يشتمل على إعادة البناء والكلام أثناء الانشغال بمهمة يكون عرضة لعدم الدقة أو التشويش ، فإنه يمكن أن يظهر نمط التفكير لدى المسترشد 0 كذلك قد تستخدم اختبارات شبيهة باختبارات تفهم الموضوع (T.A.T) ، ولكنها مرتبطة بمشكلة المسترشد السلوكية ، ويكون الغرض منها التعرف على أفكار ومشاعر المسترشد 0 كذلك تستخدم مجموعة من الاختبارات النفسية التي تقيس العمليات المعرفية ، مثل : اختبارات الإبتكارية وحل المشكلات0 كما قد تجري مثل هذه الاختبارات في صورة جمعية 0

• مرحلة التدريب التطبيقي :

عندما يصبح المسترشد ماهرا في أساليب المواجهة Coping ، كان المعالج يعرض له في المختبر سلسلة من الضغوط المهددة للأنا ، والمهددة بالألم بما في ذلك وجود صدمات كهربائية غير متوقعة 0 كما قام المرشد بنمذجة استخدام مهارات المواجهة 0 كذلك فقد كان التدريب في صور متعددة حيث أشتمل على مجموعة من الأساليب العلاجية ، والتي تشتمل على التدريب على الكلام والمناقشة والنمذجة ، وتعليمات للذات ، وعملية تكرار السلوك وكذلك التعزيز 0

• أساليب إعادة البنية المعرفية Cognitive RestucturingTechniques:

توجد مجموعة من الطرق العلاجية توضع تحت مسميات العلاج بإعادة البنية المعرفية ، أو العلاج بالدلالات اللفظية Semantic Therapy ، وتركز هذه الطرق على تعديل تفكير المسترشد واستدلالاته وافتراضاته ، والاتجاهات التي تقف وراء الجوانب المعرفية لديه 0 وينظر في هذه الحالات إلى المرض العقلي على أنه اختلال في التفكير يشتمل على عمليات تفكير محرفة تؤدي إلى رؤية محرفة للعالم ، وإلى انفعالات غير سارة ، وصعوبات ومشكلات سلوكية 0 وتمثل هذه الطرق ما يعرف عادة باسم العلاج الموجه بالإستبصار Insight Oriented Therapy ، وفي الواقع فإن هذه المجموعة الواسعة من الطرق لا تمثل طريقة أو نظرية واحدة للعلاج ، وإنما علاجات مختلفة 0 ورغم كونها تهتم بالجوانب المعرفية لدى المسترشد ، فإن المعالجين يصورون هذه الجوانب المعرفية للمسترشدين بطرق تختلف من معالج لآخر ، مما يؤدي إلى أساليب علاجية متنوعة 0

وفيما يلي بعض التصورات حول الجوانب المعرفية لدى المسترشدين :

1ـ العمليات المعرفية باعتبارها أنظمة تفكير غير عقلاني : يدخل في هذا التصور ذلك النموذج الذي وصفه ( ألبرت إليس ) الذي يرى أن الأفكار غير العقلانية ، هي التي تؤدي إلى الاضطراب السلوكي والاضطراب الانفعالي 0

2ـ العمليات المعرفية باعتبارها أنماط تفكير خاطئ : ويدخل في هذه المجموعة ذلك النموذج الذي قدمه ( بيك Beck ) الذي يركز على أنماط التفكير المشوه ، أو المنحرف الذي يتبناه المسترشد أو المريض 0 وتشتمل التحريفات على استنتاجات خاطئة لا يقوم عليها دليل ، وكذلك على مبالغات في أهمية الأحداث ودلالتها ، أو خلل معرفي ، أو نقص اعتبار عنصر هام في الموقف ، أو الاستدلال المنقسم ، أو رؤية الأشياء على أنها أبيض وأسود ، خير أو شر ، صحيح أو خطأ ، دون وجود نقطة وسط ، وكذلك المبالغة في التعميم من حادث مفرد 0 ويُدرب المسترشدون على التعرف على هذه التحريفات من خلال الأساليب السلوكية ، واستخدام الدلالات اللفظية 0

3ـ الجوانب المعرفية كأدلة على القدرة على حل المشكلات ومهارات التعامل : اقترح ( دي زوريلا وجولد فرايد ) وغيرهم ، التركيز على التعرف على غياب مهارات تكيفية ومعرفية معينة ، وعلى تعليم المسترشدين مهارات حل المشكلات عن طريق التعرف على المشكلة ، وتوليد البدائل الخاصة بالحلول 0 واختيار واحد من هذه الحلول ، ثم اختبار كفاءة هذا الحل 0 ويركز معالجون آخرون ومن بينهم ( ميكينبوم ) على مهارات المواجهة 0 وفي أسلوب حل المشكلات فإن المسترشدين يتعلمون كيف يواجهون ويحلون مشكلة في مواقف مستقبلية 0 بينما في مهارات المواجهة فإنهم يتعلمون في موقف أزمة ، أو موقف مشكلة حقيقي 0

• الملخص :

يقول ( باترسون ، 1986) : " إن العلاج السلوكي المعرفي عند ( ميكينبوم ) ليس مجرد علاج سلوكي مضافا إليه بعض الأساليب المعرفية كما حدث في مجموعة من الطرق التي أقترحها بعض المعالجين السلوكيين الذين قرروا أهمية الأساليب المعرفية ، مثل : جولد فرايد ، ودافيسون ، وكذلك أوليري ، وويلسون 0 إن طريقة ( ميكينبوم ) تتجه نحو المعرفية أكثر من اتجاهها نحو السلوكية 0 وتهتم نظرية ( ميكينبوم ) بما قاله الناس لأنفسهم ، ودوره في تحديد سلوكهم 0 وبذلك فإن محور الإرشاد يرتكز على تغيير الأشياء التي يقولها المسترشد لنفسه ـ أي التي يحدث بها نفسه ، وذلك بشكل مباشر أو بشكل ضمني ، الأمر الذي ينتج عنه سلوك وانفعالات تكيفية بدلا من السلوك والانفعالات غير المتكيفة 0 وبذلك فإن العلاج ينصب على تعديل التعليمات الذاتية التي يحدث بها المسترشدون أنفسهم ، بحيث يمكنهم أن يتعاملوا مع مواقف المشكلات التي يواجهونها 0 وبالإضافة إلى إمكانية استخدام الأساليب الخاصة بنموذج ( ميكينبوم ) بشكل منفرد ، فإنه يمكن إدماجها مع الأساليب السلوكية المعروفة ، وكذلك مع الطرق الخاصة بإعادة البناء المعرفي " 0

• تقويم النظرية :

إن محاولة ( ميكينبوم ) كانت الاهتمام بما يحدث الناس به أنفسهم ، وأثره على سلوكهم وانفعالاتهم التكيفية المضطربة أمر له أهمية خاصة ، وقد سبقه إلى العلاج ، مدرسة العلاج السلوكي التي أغفلت الجوانب المعرفية في تفسيرها للسلوك والتعلم وكذلك في الإرشاد والعلاج 0 و ( ميكينبوم ) في هذا الاتجاه الذي بناه على أساس ملاحظات وبحوث باحثين نفسيين في مجال اللغة ، مثل : ( لوريا ) ربما لا يكون قد جاء بجديد ، ذلك أننا إذا رجعنا إلى التراث الإسلامي في هذا المقام فإننا نجد أن الكثير ممن كتبوا عن أهمية أحاديث الذات والخواطر في تكوين السلوك ، وهنا سأذكر اثنين وهما : أبو حامد الغزالي ، وابن قيم الجوزية0

فقد ذكر أبو حامد الغزالي ( المتوفى سنة 505هـ ) موضوع حديث النفس في عدة مواطن من مصنفه الشهير ( إحياء علوم الدين ) 0 يقول في بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلب وهمها وخواطرها : " فهناك أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة :

1ـ الخاطر : وهو حديث النفس 0

2ـ الميل 0

3ـ الاعتقاد 0

4ـ الهم 0 " 0 وهنا نلمس أن الغزالي لم يتوقف عند حديث النفس ، واعتبره هو العامل الأساسي في السلوك والانفعالات ، بل جعله بداية سلسلة من العمليات الأخرى 0 ومنها الميل ، وهو يمثل الاتجاه Attitude ، ثم الاعتقاد وهو أيضا عملية عقلية ، ويمثل الفكرة الراسخة ، وأخيرا الهم الذي يمثل بداية الخروج من العمليات العقلية ، والانطلاق إلى السلوكيات والانفعالات الظاهرة 00 وفي تناول الغزالي لموضوع الغضب ، نجده يهتم بالجوانب المعرفية في إرجاع سبب الغضب إليها ، وكذلك في اعتبارها عند العلاج ، ويقول : " ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس ، وكبر وهمة ، ويلقبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس إليه وتستحسنه " 0 ثم إن الغزالي عند تناوله لموضوع علاج الغضب يقسم هذا العلاج إلى علم ( جوانب معرفية ) وعمل ( جوانب سلوكية ) 0 ويرى أن علاج الغضب يكون بمعجون ( أي بخليط ) من العلم والعلم 0 وإذا تمعنا في هذا النموذج للغزالي في علاج الغضب ، نجده سبقا له في تحديد الطريقة المعرفية السلوكية قبل ( ميكينبوم ) و ( إليس ) و ( بيك ) وغيرهم 0 وهو سبق له أكثر قوة لأنه يعتمد في تطويره على المنهج الإسلامي بشموليته لكل حياة الإنسان 0

أما ابن قيم الجوزية ( المتوفى سنة 751هـ ) ، فقد اهتم بجانب الخواطر التي دعاها الغزالي من قبل بأحاديث النفس 0 وأن الخواطر هي بداية الأعمال ، وهي التي توصل إلى العادات 0 وأن علاج الخواطر وقطعها من مبدئها أيسر بكثير من قطع العادات 0 كما ينظر ابن القيم إلى النفس على أنها أشبه بالرحى الدائرة ، وأن ما يلقى إليها تطحنه وتخرج مادته 0 وما يلقي إليها هو الخواطر التي إن صلحت كان الناتج عملا صالحا ، وإن خبثت كان الناتج عملا خبيثا0 يقول ابن القيم في كتابه الفوائد : " مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار ، فإنها توجب التصورات ، والتصورات تدعو إلى الإرادات ، والإرادات تقتضي وقوع الفعل ، وكثرة تكراره تعطي العادة 0 فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار ، وفسادها بفسادها " 0 ثم يقول في موضع آخر : " واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر ، فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة ، فتأخذها الإرادة إلى الجوارح والعمل ، فتستحكم فتصير عادة 0 فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها " 0 ويتميز الأسلوب الذي ركز عليه ابن القيم في تناوله لهذا الموضوع أنه أوضح الدور الذي يلعبه الإيمان والعقل في التعامل مع هذه الخواطر ومراقبتها والإبقاء على أحسنها ، ورفض القبيح منها ونفوره منه 0 ويقول : " ومعلوم أنه لو لم يعط الإنسان أمانة الخواطر ولا القوة على قطعها تهجم عليه هجوم النفس ، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له ، وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفوره منه " 0

وإذا عدنا إلى الحديث عن ( ميكينبوم ) وجدنا أنه يعوزه كما حدث مع آخرين ذلك المحك أو الميزان الموضوعي الذي يمكن أن يحتكم إليه الفرد نفسه ، فيكون تصحيحه ذاتيا ومتسقا من وقت إلى آخر 0 ويحتكم إليه المرشدون والمعالجون حين يحاولون التعرف على موطن الخطأ في التفكير ، أو في التصورات ، أو المعتقدات ، أو فيما يحدث به الناس أنفسهم ( الخواطر ) 0 فهم لا يرجعون إلا لتصوراتهم أنفسهم ، وهم بذلك يضعون المعايير وينصبون أنفسهم حكاما على مدى موافقة الجوانب المعرفية لدى مسترشديهم ، والتي يرون أنها سبب مشكلات هؤلاء المسترشدين لهذه المعايير التي افترضوها 0 بينما إذا رجعنا لما كتبه الغزالي ، وما كتبه ابن القيم حول هذه الجوانب لرأينا أن المعيار واحد وثابت ، وليس من وضعهما ، وإنما هو مشتق من المنهج الإسلامي بأصليه الأساسيين ( القرآن الكريم والسنة النبوية ) 0

ومرة أخرى فإن في نموذج ( ميكينبوم ) لم يكن هناك تصور لعمليات أخرى سوى أحاديث الذات ( الخواطر ) وكأن التعلم والأداء السلوكي هو مرة أخرى علاقة بسيطة بين مثير واستجابة 0 والمثير هنا و ( المعزز أيضا ) هو الخاطر أو ما يحدث به الفرد نفسه ، وكأن ليس هناك دور لأي عملية معرفية أخرى سوى الخواطر ، وهو أمر نعود معه إلى ما يقرره ابن القيم من أن هناك سلسلة من العمليات يمكن للفرد أن يتوقف عند واحدة منها قبل أن تصبح سلوكا ظاهرا 0

عندما يتصدى ( باترسون ) لتقويم نظرية ( ميكينبوم ) فإنه يقول : " إنها مجرد بداية ناجحة لمحاولة لم تكتمل بعد في المستوى التنظيري ، والمستوى التطبيقي " 0 كما يختم التقويم بقوله : " إن ( ميكينبوم ) قد انتقل خطوة للأمام من ذلك الموقف الذي تتبناه مدرسة العلاج السلوكي في تفسيرها للسلوك ، وفي معالجتها لهذا السلوك ، كما أنه أجرى بحوثا استدل منها على أهمية حديث الذات ، أو الديالوج الداخلي Internal Dialogue في السلوك 0

وفي الختام فإن نظرية ( ميكينبوم ) :

1ـ ترتكز على أهمية ما يقوله الفرد لنفسه ، دون الشعور بما يحدد سلوكه 0

2ـ النظرية وتطبيقاتها غير مكتملة 0

3ـ لا يوجد هناك معيار لما يقوله الإنسان لنفسه 0

4ـ جعل ( ميكينبوم ) من الحديث الداخلي استجابة لمثير فهو يعود إلى نظرية المثير والاستجابة0

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

النظريات والنماذج المفسرة لظاهرة الإدمان على المخدرات. في العوامل السيكولوجية والبيولوجية والاجتماعية-الثقافية المؤدية إلى الإدمان.

إعداد:
-أ/ قجة رضا.أستاذ م م بالدروس علم الاجتماع- المسيلة
-أ/عزوز عبد الناصر.أ م – علم الاجتماع -المسيلة
السنة الجامعية2007/2008

مقدمة:
الإدمان على المخدرات آفة اجتماعية خطيرة رافقت البشرية منذ القدم وتطورت بتطورها، وأصبحت من إحدى المشكلات المعاصرة التي تمثل قمة المعاناة والمأساة التي وصلت إليها المجتمعات الإنسانية، فاجتاحت بلداناً نامية ومتطورة، وانتشرت بين زمر وجماعات متباينة: فقيرة وغنية، ريفية وحضرية، وبين الأفراد: صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً، ثم بدأت بالانتقال من إقليم إلى آخر زراعة وتصنيعاً وتعاطياً وإدماناً، وما النداءات العالمية التي تتعالى، والاتفاقيات التي تبرم، والمؤتمرات الدولية التي تعقد، والبحوث والدراسات الاجتماعية التي تجرى بصفة دورية؛ إلا دلائل واضحة على حدة المشكلة وشموليتها. وما يزيد من خطورتها كونها تصيب الفئة الفعالة في المجتمع، وهي فئة الشباب التي تعد أساس الإنتاج وعماد التنمية، هذا ناهيك عن آثارها النفسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية السلبية، سواء بالنسبة للمدمن نفسه(الانتحار البطيء)، أو بالنسبة للأسرة أو للمجتمع بشكل عام.
ولا شك أن من يكتب عن الإدمان على المخدرات، سيجد عقله ساحة لنزاع مجموعة من الأفكار والاتجاهات المختلفة، وسيرى أن التمسك بالاتجاه الواحد سيجعل الاقتراب من الواقعية ضربا من اليوتوبيا، لا يتحرر فيها الباحث من رؤية ذات مضمون رومانسي تدفعه إلى تعاطف خفي مع هذا الاتجاه أو ذاك، والسبب هو أن الخصم واحد وأبعاده متعددة، والتعدد الظاهري لتلك الأبعاد، يوازيه تعدد آخر على مستوى التوجه الفكري، ولكن سنقع ضحية التفسير الذري، إذا أكتشف أن ذلك التعدد في الأبعاد كان يخفي ورائه الوحدة والتحالف فيما بينها، وسيترتب على هذا التحالف التداخل النظري والمنهجي بين العلوم، وهذا يبدو جليا أنه بالرغم من التطورات الفكرية واتساع نطاق البحث العلمي، ظلت أبعاد الإدمان معقدة ومتنوعة وهو أعظم تحد يواجهه الفكر الإنساني، فما من نتيجة يتم التوصل إليها وتشكل انجازا هاما لنظرية ما، إلا ونجد ما يفندها أو يصل إلى نتيجة مخالفة أو مناقضة لها.
أن المتأمل لمسيرة الأبحاث والدراسات المتراكمة التي اقتفت البحث في موضوع الإدمان، يجد أن هذا الأخير يشكل فعلا مجالا خصبا لعدد غير قليل من العلوم، ومع تعدد هذه العلوم تعددت معها الافتراضات والنتائج، ومع تعدد النتائج تنوعت النظريات والاتجاهات الفكرية والأطر النظرية، ومن ثم فالاعتماد على النظرية الواحدة يشكل نقطة قوة بالنسبة لدقة النتائج وهذا على المستوى النظري والبحثي، ولكنه يشكل نقطة ضعف على المستوى الممارسة العملية، ولكن نقطة الضعف على المستوى الممارسة العملية ستأخذ مسارا آخر قويا ومتكاملا، في حالة الاعتماد على أكثر من نظرية (المدخل التكاملي)، وهذا هو الأفيد إذا كنا بصدد البحث عن تصور جديد للتكفل بفئة المدمنين مع التسليم مبدئيا بالضبابية التي قد تكون على مستوى النظري والنتائج، وهو أمر سيجعل من الممارسة على مستوى الميدان، تتطلب مجهودا مضاعفا لمحاولة الوصول إلى تصور متكامل يأخذ بالتنوع النظري.
وعليه جاءت هذه الورقة لتتعرض إلى النظريات والنماذج المفسرة لظاهرة الإدمان، وتقدم وصفا شاملا لمختلف النظريات والنماذج السائدة التي حاولت تحديد طبيعة هذه الظاهرة ذات الجوانب المتعددة والأبعاد المعقدة، وتركز بشكل أساسي على النظريات السيكولوجية والبيولوجية والنظريات الاجتماعية-الثقافية، والنماذج الشمولية (البايكوسايكوسوشيال) التي تفسر الإدمان كونه استجابة لتركيبة تفاعلية لمجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، لأن النظريات والنماذج ذات الصلة بهذا الموضوع، والتي تعد تتويجا لسلسلة من الأبحاث والدراسات العلمية الحثيثة هي كثيرة، إذ تنتظم بشكل واسع النطاق وطبقا للخصائص والسمات التي تتميز بها وتتضمن نماذج تقليدية، وأخرى معاصرة.
توفر هذه المداخلة الأطر المرجعية التي تساعد المتخصصين في مختلف المجالات على فهم وإدراك واستيعاب الإدمان، إذ تحاول أن تبحث في أصوله وعوامله وطبيعته (الأساس النظري والمعرفي)، وهل هو ظاهرة نفسية أو اجتماعية أو ظاهرة أخرى، لأن معرفة كنه وحقيقة الظاهرة هو الذي يسمح، وإلى حد بعيد، بتحديد المهارات العملية والتطبيقية اللازمة للعمل الميداني، إضافة إلى أنه يجعل من إستراتيجية المواجهة علمية وذات فائدة عندما يتم التفكير في تكوين أو تطوير سياسات فعالة لمواجهة هذه الآفة الخطيرة. وفيما يلي عرض لأبرز نقاط المداخلة:
1- تحديد مفهوم الإدمان والمخدر مع التطرق إلى المفاهيم المرتبطة والقريبة منهما.
2- النظريات والنماذج المفسرة للإدمان:
أ- النظريات البيولوجية.
ب- النظريات السيكولوجية (نظريات السمات- نظرية التعلم- النظرية النفسية الدينامية-نظرية التحليل النفسي).
ج- النظريات الاجتماعية–الثقافية(نظرية الأسرة-نظرية النظم-النظرية الانثروبولوجية-المنحنى البنيوي-نظرية الباب المفتوح- النظريات الروحية ونظرية التسامي)
د- النماذج الشمولية ( النموذج البيوسيكوسوشيال- نموذج الصحة العامة والنموذج البيئي).
وقد اختتم البحث بالحديث عن مسألة علاج الإدمان بين النظرية والتطبيق كمحاولة للخروج برؤية تصورية متكاملة للتكفل بفئة المدمنين على المخدرات.


















1- مفهوم الإدمان والمخدر وبعض المفاهيم المرتبطة بالإدمان:
أ- الإدمان(Addiction):
-الإدمان لغة:الإدمان لفظ مشتق من الفعل أَدْمَنَ، يُدْمِنُ، أَدْمِنْ، إِدْمَاناً، يقال أدمن الشيء بمعنى أدامه وواظب عليه (بن هادية وآخرون، 1995، ص25). والإدمان لا يقع إلاّ على الأعراض فيقال مثلاً: فلان يدمن الشرب أو الخمر بمعنى لزم شربها، فمدمن الخمر هو الشخص الذي لا يقلع عن شربها (ابن منظور، 1968، ص159).
- الإدمان اصطلاحاً: عرّفته منظمة الصحة العالمية بأنّه: "حالة نفسية وفي بعض الأحيان عضوية ناتجة عن التفاعل الذي يحدث بين الكائن الحي والمخدر، وتتميز باستجابات سلوكية عادة ما تتضمن دافعاً عنيفاً لتناول المخدر بشكل دائم أو بين فترة وأخرى للحصول على آثاره النفسية، وأحياناً من أجل تفادي أو تجنب الآثار المزعجة من تعاسة وقلاقل التي تنتج في حالة الامتناع"(Schilit andGomberg, 1991, p 4). وتفضل المنظمة استخدام مصطلح الاعتماديةعلى العقار المخدر، وهو مصطلح دبلوماسي بمعنى الإدمان والتعاطي (Lauri,1968, p11).وتضيف المنظمة أنّ هذا المفهوم ينطوي على الخصائص التالية:
- رغبة قهرية لتعاطي المخدر والحصول عليه بأي وسيلة وبأي ثمن.
- ميل واضح لزيادة الجرعة نتيجة لتعود الجسم على المخدر، أو لعدم الحصول على التأثير المعتاد.
- وجود حاجة نفسية وجسمية للتعاطي.
- حدوث نتائج وتأثيرات ضارّة بالمدمن وبالبيئة الاجتماعية (أبو غرارة، 1990، ص63).
ب- الاعتماد (Dependence): يلاحظ في بعض الأدبيات الاجتماعية أنّ هناك من يستخدم مفهوم الاعتماد بمعنى الإدمان، بحيث يتضمن مفهوم الاعتماد جميع أنواع المخدّرات سواء نتج عن تعاطيها اعتماد جسمي أم لم ينتج (العشماوي، 1995، ص51).
وعلى الرغم من اتفاق التعاريف على الخصائص المميزة للإدمان، التي لم تأخذ بالاعتبار شرط وجود الاعتماد الجسمي (العضوي) دوماً بوصفه مظهرا مصاحبا في حالة الامتناع؛ إلاّ أنّ هناك من يذهب إلى عكس ذلك، فيرى أنّ ثمة اختلافا يميز الإدمان عن غيره من المفاهيم الأخرى، ويتضح هذا الاختلاف فيما ينطوي عليه الإدمان من اعتماد جسمي في حالة الامتناع. فيؤكد "روبرت روب Robert Roop " أنّ استعمال مفهوم الإدمان يبقى قاصراً على المخدّرات التي يصاحبها في حالة الامتناع اعتماد جسميً، فالإدمان من وجهة نظره يجب أن يكون جسمانياً - قهرياً كحاجة ملحّة لا تنطفئ، أمّا "تيرنس كوكس وآخرونTerrence.c Cox and Others"، فيرون أنّ مفهوم الإدمان يجب أن يتضمن الاعتماد بنوعيه العضوي والنفسي دون التمييز بينهما (العشماوي، 1995،ص46-47)، ويظهر الاعتماد الجسمي (Physical Dependence) من خلال ظهور أعراض الانسحاب والانقطاع عن تناول المخدّر على الجسم، أما الاعتماد النفسي، فيشير إلى الرغبة الجارفة الإلزامية العارمة أو الحاجة المستمرة للتعاطي، التي تكون مقدرة تقديراً ذاتياً عالياً بمدى التأثيرات التي يُحدثها المخدّر(Singer, 1975, p 23).
ج- الاعتياد(Habituation): عرّفته لجنة الخبراء التابعة لمنظمة الصحة العالمية بأنّه حالة تنتج من جرّاء الاستهلاك المستمر لعقار ما. وتتصف بالخصائص التالية:
- رغبة غير قهرية للاستمرار في التعاطي.
- ميل ضئيل لزيادة الجرعة، وقد لا ينشأ هذا الميل إطلاقاً.
- درجة ما من الاعتماد النفسي مع عدم وجود اعتماد جسمي أو أعراض الانسحاب، وتقتصر آثار الاعتياد على الفرد فقط (العشماوي، 1995، ص43).
يبدو من خلال هذا التعريف أنّ هناك فرقاً واضحاً بين الاعتياد والإدمان، ويمكن ذكره في النقاط التالية:
- رغبة قهرية في الإدمان مقابل رغبة غير قهرية في الاعتياد.
- ميل واضح لزيادة الجرعة في حالة الإدمان مقابل ميل ضئيل - أو عدم وجوده- لزيادة الجرعة في حالة الاعتياد.
- وجود رغبة نفسية وأحياناً عضوية لتعاطي المخدر في حالة الإدمان، مقابل درجة ما من الاعتماد النفسي في حالة الاعتياد مع عدم وجود اعتماد عضوي.
- النتائج الناجمة عن الإدمان تلحق بالفرد وبيئته الاجتماعية على عكس الاعتياد، حيث تلحق الآثار فيه بالفرد فقط.

د- الاستعمال غير الطبي(إساءة الاستعمال)((Non Medical - Substance Abuse:
ورد في قاموس "وبستر" إساءة الاستخدام بمعنى: الاستخدام "اللامضبوط واللاصحيح"، ويشير مصطلح "إساءة الاستعمال إلى "الاستعمال نفسه" وعن طريق الرغبة الذاتية في ذلك ولأيّ مخدر، وبصورة أو بأسلوب ينحرف عمّا توافقه وتؤيده الأنماط الطبية والاجتماعية في ثقافة محددة من الثقافات (والمقصود بالثقافة هنا هي السلوكيات الاجتماعية) (Macdonald, 1984, p 52) كما يعرّف على أنّه: تناول لأيّة مادة كيميائية تحت ظلّ ظروف معينة أو على هيئة عبوات كاملة تزيد وبصورة جوهرية من القدرات، وسواء كانت تلك المادة مستعملة لأسباب مرضية، أم لأسباب شرعية، أو قام بوصفها أحد الأطباء لمريض، أو لم تكن كذلك((Schilit and Gomberg, 1991 ,p 4. ويقصد بالاستعمال غير الطبي الإفراط في استعمال عقار ما بصورة مستمرة أو دورية وبإرادة من المتعاطي، ودون الالتزام بالاستعمال الطبي المحدد أو الموصوف بواسطة الطبيب؛ من أجل الشعور بالارتياح أو بما يتوهمه المتعاطي بأنّه يشعر بالراحة، أو بدافع الفضول أو لاستشعار خبرة معينة (مصيقر، 1985، ص26). ففي بعض الحالات المرضية يستدعي العلاج الطبي بعض الأدوية المهدئة أو المسكنة لتخفيف الآلام، فعند عدم التزام المريض بطريقة العلاج الموصوفة أو في غياب إشراف الطبيب؛ يؤدي التعاطي المستمر لتلك الأدوية إلى الإدمان عليها، لتبدأ في مراحل تالية أعراض الاعتماد العضوي والنفسي بالظهور. وعليه، توجد هناك علاقة بين سوء الاستعمال والإدمان من ناحية أنّ سوء الاستعمال يؤدي، في بعض الأحيان، إلى الإدمان (العشماوي، 1995، ص50-51).
يستنتج من خلال هذا التعريف، أنّ هناك بعض الأدوية الطبية التي تستخدم لأغراض العلاج الطبي، ويؤدي سوء استعمالها إلى الإدمان، ومن ثم فإنّ أنواع المخدّرات تتسع لتشمل حتى بعض الأدوية الطبية التي لها التأثير نفسه لبعض المخدرات عند إساءة استعمالها.
هـ- التحمل(Tolerance): ويقصد به فقدان وانعدام الإحساس بمؤثرات المخدر، إٍٍذ يحتاج المدمن إلى جرعات أكبر ومتكررة أكثر للحصول على التأثير الذي اعتاده في الأول(Macdonald, 1684,p54). كما يشير التحمل أيضاً إلى القدرة التي يمتلكها الجسم لمقاومة تأثير المخدر حتى وإن أخذ بجرعات زائدة، فالتعاطي لفترة طويلة يدفع بالمتعاطي إلى زيادة الجرعة في كل مرة للحصول على التأثير المعهود، والسبب في ذلك يعود إلى اطراد نمو المناعة النسبية للجسم ضد تأثير المادة المخدرة إلى درجة تجعله قادراً على أخذ كميات زائدة لو تعاطاها فرد عادي لقضت عليه (غازي، 1965، ص25). وقد يكون التحمل عضوياً أو سلوكياً (عبد المنعم، 2003، ص38).
و- المخدر(Drug):
- المخدر لغة: للمخدر في اللغة معان عدّة، فالخَدَرُ بالتحريك امذلال يصيب الأعضاء اليد والرجل والجسد، كما يعني الكسل والفتور، يقال تَخَدَّرَ واختدر بمعنى استتر (الزبيدي، دت، ص140-141). وخُدِّرَ كأنّه ناعس، والخادر هو الفاتر الكسلان (ابن منظور، 1968، ص233). والخِدْرُ ستر يمدّ الجارية في ناحية البيت، ويقال أيضاً خدر الأسد في عرينه بمعنى أنّه لم يستطع الخروج وهو خادر مخدّر (بن عباد، دت، ص 299).
- المخدّر اصطلاحاً: المخدّرات مادّة خام أو مستحضرة قد تكون منبّهة أو مسكّنة، بحيث إذا استعملت لغير الأغراض الطبّية والصناعية، فإن من شأنها أن تؤدّي بالفرد إلى حالة من التعود والإدمان فتلحق به أضراراً جسمية، ونفسية، واجتماعية، وتمتد هذه الآثار لتشمل المجتمع (بدوي، 1977، ص118).
وتعرّف المخدّرات علمياً بأنّها كل مادّة كيميائية يؤدي تناولها إلى النعاس والنوم أو غياب الوعي المرفوق بالآلام. ووفقاً لهذا التعريف؛ فإنّ المخدّرات المنشّطة وعقاقير الهلوسة لا تدخل ضمن إطار المواد المخدّرة، بينما يندرج الخمر تحت صنف المخدّرات (دعبس، 1994، ص23)
ومن الناحية القانونية تعرّف المخدّرات بأنّها مجموعة المواد المحدثة للإدمان، يؤدي تعاطيها إلى تسمّم الجهاز العصبي، ويحضر تداولها أو زراعتها أو صناعتها إلاّ لأغراض محدّدة وبترخيص قانوني؛ وتشمل: الأفيون ومشتقاته؛ والحشيش؛ وعقاقير الهلوسة؛ والمنشّطات؛ والكوكايين، بينما لا تصنّف الخمر والمهدّئات والمنوّمات ضمن المخدّرات بالرغم من ثبوت أضرارها وقابليتها لإحداث الإدمان (العشماوي، 1995، ص10).
والمخدّرات شرعاً "مأخوذة من التفتير وهو ما يورّث ضعفاً بعد قوّة، وسكوناً بعد حركة، واسترخاء بعد صلابة، وقصوراً بعد نشاط …" (عرموش، 1993، ص 14). ويطلق في بعض الأحيان مصطلح المواد النفسية على المخدّرات لتشير إلى تلك المواد المحدثة للإدمان طبيعية كانت أو مصنّعة، وتشمل: الكحوليات؛ والأمفيتامينات؛ والقنبيات؛ والكوكايين؛ والمهلوسات؛ والأفيونات؛ والقات؛ والمواد الطيّارة (العضوية) (الجزيرة، 2001).
2- النظريات والنماذج المفسرة للإدمان:
تعكس نظريات الإدمان الاتجاهات والممارسات السائدة في هذا المجال. ومن أجل تقديم الوصف الشامل للإدمان تنتظم نظريات الإدمان ونماذجها وبصورة أوسع وطبقا لميزاتها وخصائصها، وتتضمن: النماذج التقليدية مثل: (النموذج الأخلاقي؛ والنموذج الشرعي؛ والنموذج القانوني؛ والنموذج الطبي؛ والنموذج الصيدلاني). أمّا النظريات المعاصرة؛ فتتضمن النظريات البيولوجية، والسيكولوجية والاجتماعية- الثقافية، بينما تتضمن النماذج الشمولية النموذج البيولوجي السيكولوجي- الاجتماعي، ونموذج الصحة العامة والبيئة(الأول كعامل، والثاني كتابع).
وتوفر هذه النظريات ونماذجها الأطر المرجعية التي تساعد المتخصصين في تفهم واستيعاب أسباب الإدمان ومعرفة جوانبه المختلفة، وتستخدم للقيام بالبحوث والدراسات العلمية وفي الوقاية والعلاج ولتطوير السياسات المتبعة. وفيما يلي عرض للنظريات المعاصرة التي حاولت تفسير الإدمان:
أ- النظريات البيولوجية(Biological theories):
كانت النظريات البيولوجية من أولى النظريات التي حاولت تفسير التعاطي الضخم والمنتظم انطلاقا من ميكانيزمات بيوكيميائية أو فسيولوجية. وشكّلت الدّراسات الإنسانية محور الأعمال المصمّمة لاختبار النظريات الجينية ذات الصّلة بالإدمان في بني البشر، لأنّه إذا كان للجينات تأثيرها في الإدمان؛ فإن أولئك الذين لديهم جزء من المادة الوراثية الخاصّة بهم التي توارثوها عن متعاطين؛ فإنّ هذا الموروث سيصل إليهم وسيعانون من تلك الحالة وتلك الظروف التي كان عليها آباؤهم، ويرى الباحث "أمارك" من خلال قيامه بإجراء دراسات تفصيلية موسعة على المجتمع السويدي، أن هناك عنصرا وراثيا أسريا ذا صلة بالإدمان الكحولي. وقام هذا الباحث بحساب إمكانية إدمان المسكرات بين الإخوة المعروف بأنهم من آباء مدمنين، فكانت نسبتهم في الإصابة بالإدمان(21%)، وبين الأخوات (من0- 9%)، وبين الآباء (26%) وبين الأمهات (2%) (Robinson, 1976, p 50- 51).
وتركّز النظرية الجينية على دور الوراثة في نشوء اختلالات الإدمان وتطورها، فالحساسية وسرعة التأثر واتجاه بعض الناس نحو الإدمان، هي التي شجعت وحثت العلماء للبحث عن العوامل التي تسهم في ذلك الإقبال واللهفة العالية تجاه المواد المخدّرة، فعلم الوراثة الجينية هو الذي كشف عن حقيقة الإدمان الكحولي لدى بعض الأسر، وتم افتراض زيادة احتمالية الأفراد في أن يصبحوا مدمنين على الكحول فيما بين جماعات إثنية وعرقية معينة، وذلك لعوامل جينية، أما بالنسبة للأفراد ضمن الجماعات الإثنية-العرقية الأخرى، فيبدو أن لديها عوامل جينية وقائية أو مناعة تجعل من المشكوك فيه بأنهم سيسيؤون استعمال الكحول أو الخمور.
وقد قامت التقنيات البيولوجية الجزيئية بعزل وتحديد الجينات التي قد تثير الرهبة للإدمان، إذ من الممكن أن تكون إنزيمات "المونو أمين" المؤكسدة و"الغدد اللمفاوية" هي المؤشرات البيوكيماوية للنزعات والميول الموجهة نحو الإدمان، وتؤدي الكحول والعقاقير المخدرة الأخرى إلى تغييرات في طبيعة الدماغ وتركيبته وإلى أمراض مزمنة تصيبه، ذلك أن مجرد رؤيته أو شمه يمكن أن يثير الدوائر الكهربائية في الدماغ والتي تتغير نتيجة لسوء استخدام العقار، ففي دراسة قامت بها مجموعة من طلبة كلية الطب في جامعة "بيل" استنتجت بأنّ بروتين "دلتا فوس ب" يثير أدمغة الفئران وجيناتها التي تعزّز اللهفة لتعاطي الكوكايين، وعندما تحدث هذه العملية لدى بني البشر، فهذا أمر يساعد على تفسير الإدمان على الكوكايين والذي يصعب علينا تحديده ومعرفته. وهناك مجموعة من العادات من أمثلتها: عادة التسوق المرضي، الإدمان الجنسي، وتجاهل الأوامر التي تتفاعل وبصورة سلبية مع القدرة على اتخاذ القرارات، ومن ضمنها القدرة على الاختيار السليم والعقلاني لاستخدام العقاقير وعواقبها. ويعاني المتعاطين المدمنون من الشره والقلق الدائم، ويمكن التخفيف منه بشراب آخر أو بعقار آخر أو بسلوكات أخرى، فتكون تأثيراته لذيذة للدماغ، أي أن الفرد يشعر بالسعادة ويخف القلق لديه، فالشراب الكحولي واستعمال أي مخدر أو القيام بسلوكات إدمانية مثل: لعب القمار، التسوق، ممارسة الجنس أو تجاهل المحظورات ، فكلها تزيد من اللذة أو تخفف من الألم، وعادة ما يقول مدمنو الهيروين بأنهم يستعملونه "لكي يشعروا بأنهم طبيعيون فقط لا غير".(Rasmussen, 2000. p31-32).
ويلاحظ الباحث " ماكليرن McClearn" بأنّ النموذج الجيني، يمكن أن يقدّم تفسيرا أكثر انتظاما من التفسير الاجتماعي- الثقافي، إذ يقول:" على كل الأحوال سيكون أحفاد وحفيدات المتعاطين للكحول بصرف النّظر عن مشاركتهم في تعاطي الخمر نتيجة لقرابتهم لأولئك المدمنين، وبصرف النظر عن الكثير من العوامل البيئية الكامنة في معظم التفسيرات الاجتماعية والثقافية، واعتمادا على المبادئ والقوانين الجينية الأساسية، سيكون هؤلاء المصابون وغير المصابين من السلالةنفسها"Robinson,1976, p 51)). ويشعر الباحث أنّه في الوقت الذي يتم فيه تفسير الفروق بين الجنسين في حالة الإدمان على المسكّرات، وذلك وفقا لأدوار الجنسين وللمؤثرات الثقافية الأخرى، التي لها ميزة كبيرة لا مجال للشك فيها، فإنه ينبغي صياغة موقفين ذي صلة وثيقة بموضوع حدوث تلك الحالة التي يتفوق فيها الذكور عن الإناث (من ناحية الإدمان الوراثي). ونستطيع أن نذكر بالتحديد حالتي الارتباط الجنسي (أي أن الجنسين لهما صلة وثيقة بالحالة الوراثية)، والمحدودية الجنسية (أي أن النسبة العليا للحالة الوراثية تكون لدى الذكور أكبر).
ومن إحدى المحاولات الجادّة لعزل العوامل الجينية والعوامل البيئية عن بعضها البعض في حالة الإدمان الكحولي، هي محاولة القيام بدراسة الأطفال الذين تبنتهم أسر أخرى؛ لأنّ كل طفل منهم سيشارك في العوامل البيئية التي وفرتها له أسرته الجديدة باستثناء الرابط الجيني، فالتشابه الأكيد للطفل مع بيولوجيات والديه الحقيقيين، يمكن الركون إليها واعتمادها كرابط جيني أو باعتبارها عوامل جينية موروثة. ولكن مثل هذا التصميم النظري قد تم تفنيده عمليا بواسطة الفترة الزمنية التي عاشها الطفل مع والديه الأصليين قبل فترة التبني، وبواسطة السياسات التي تتبعها وكالات التبني، وبمدى معرفة الأطفال والوالدين اللذين سيتبنونهم بوجود حالة إدمان كحولي لدى الوالدين الأصليين. وكشفت دراسة رائدة في مجال التبني عن عدم وجود فرق ذا دلالة إحصائية بين سلوكيات الإدمان الكحولي للأبناء المتبنين والذين كان آباؤهم الأصليين مدمنين، وبين أولئك الوالدين الأصليين الذين لا يتعاطون الكحول أو يتعاطونها بنسبة قليلة. ولكنّ الدراسة الحديثة التي قام بها " غودون Goodwin" وجماعته تشكك في هذه النتيجة، وتستنتج بأنّ شدة وحدّة الإدمان الكحولي للوالدين مرتبطة ارتباطا إيجابيا مع حالة الإدمان الكحولي لدى أبنائهم بصرف النظر عمّا إذا كانوا قد نشأوا عن والد مدمن، أو تربوا عند والدين آخرين أو تم تبنيهم مباشرة عند ولادتهم من قبل آخرين (, p 51-521976, Robinson). فالعوامل الجينية وحدها لا يحسب حسابها في نشوء وتطور وإساءة استخدام الكحول، فهناك مجموعة من العوامل البيئية هي التي تشكل وتصوغ وتدفع نحو التعاطي، ومن ضمنها الديناميات الأسرية، وسلسلة القيم الثقافية، وضغوطات الحياة اليومية Rasmussen, 2000, p31 )).
ب- النظريات السيكولوجية:
تشير أيّة نظرة ثاقبة للأدبيات المتوافرة بشأن الإدمان، إلى أنّ الدّراسات المتنوعة قد ساهمت نوعا ما في ظهور الآراء ذات الصّلة بعلم أسباب هذه السلوكيات. والملاحظ لأدبيات البحوث السيكولوجية المتخصصة في التعاطي، يستنتج بأنّ العديد من المتعاطين للمخدّرات كانوا يعيشون غربة وانعزالية، ويعتقد أنّ الأسباب المؤدية إلى التعاطي والإدمان هي أسباب مركّبة، وغالبا ما تكون ذات صلة متبادلة مع عوامل أخرى (MacGrath and Scarpitti, 1970, p 2).
وترى النّظريات السيكولوجية أنّ الإدمان– على الكحوليات-هو ظاهرة من الظواهر والأعراض ذات الصلة بشخصية الفرد أو باختلالاته الوجدانية – العاطفية، ويمكن هنا تمييز العديد من النظريات السيكولوجية أهمها:
أولا: نظرية السمات(Trait Theory): ترى نظرية السمات بأنّ هناك سمات شخصية وخصائص معينة تُفرض على الأفراد وتحفزهم نحو الإدمان (, p 322000 Rasmussen,). وقد جرت محاولات عديدة من أجل تحديد سمات شخصية المدمن وفقا لأنماط الشخصية وميزاتها، فقد حدد بلين بعضا من سمات الشخصية المدمنة، والتي عادة ما تذكرها الدراسات والبحوث الخاصة بتعاطي الخمر. وتتضمن هذه الميزات: حالة الكآبة المتدنية الدرجة؛ حب الاختلاط بالآخرين؛ ومشاعر الوضاعة (الإحساس بضعة النفس وهوانها) والمختلطة باتجاهات السّمو والفزع والاعتمادية على الغير(Robinson, 1976, p52). وهناك تقرير حديث يصف دراسة كندية قامت بمتابعة (1034) طفلا بدءا من مرحلة الروضة والمرحلة التمهيدية، واستمرت لمدة عشر سنوات؛ لتقييم سماتهم الشخصية وقياسها، فذكرت الدّراسة أنّ بعضهم بدأ بالتدخين فالكحول ثم بالمخدّرات الأخرى، فالبحث المكثف عن كل شيء جديد وتجنّب الأذى المتدني كانت لها دلالاتها الإحصائية في الدّراسة (Rasmussen, 2000, p 33).
وتشير النتائج التي توصل إليها الباحثان " جيرارد وكورنتسكي Gerard and Kornetsky " عام 1955م، من خلال دراستهما للمراهقين المدمنين على الهيروين، إلى أنّ هؤلاء الشباب قد تعرّضوا إلى سوء تكيف سيكولوجي حاد جدا. ووصفا المجتمع الدراسي بأنّه مجتمع مصاب بحالات حادّة من الإحباط المصحوبة بمشاعر مملوءة "بالعبثية واللاجدوى"، وبالفشل والانتكاس، ويعاني القسم الأكبر منهم من شيزوفرينيا مبدئية أو علنية صريحة، وتبين أنّ غالبيتهم يتصفون بإشكاليات في هويتهم وكينونتهم (3-2McGrath and Scarpitti,1970, p ).
ولكنّ الباحث "أورفورد Orford" وكما هو الحال في الكثير من بحوث الإدمان على الكحول يقول:" يمكننا أن نجد بالنسبة لأيّة عبارة نعثر عليها في أدبيات البحوث المتعلقة بالعلاقة بين الإدمان الكحولي وبين الشخصية؛ نتيجة مناقضة لها في دراسة أخرى"(Robinson, 1976, p 53). إذن ليس من المدهش ولا المثير أنّ تصبح العديد من سمات وخصائص السكارى الشخصية " والمتميزة " أقل أهمية مع استعمال اختبارات مقننة للشخصية الذاتية. وفي مراجعة قام بها الباحث "سيم Syme " للدّراسات "المنضبطة والمنتظمة"؛ استنتج قائلا: " لم تظهر أيّة نتائج معتمدة تشير إلى أنّ المدمنين للكحوليات كمجموعة يمكن تمييزها عن المجموعات الأخرى من النّاس العاديين" (Robinson, 1976, p 53).
ثانيا: نظريات التعلّم: حاولت نظريات التعلّم ذات الصّلة بالأنماط المتنوعة، أن تفسر أسباب لجوء بعض الناس إلى الإدمان على الخمور، فيرى بعض المنظرين أنّ تناول الخمور؛ ما هو إلاّ انعكاس اشراطي (Reflex) لأنواع معينة من المثيرات (Stimulus)، أو أسلوب للتقليل من اضطراباتهم وقلقهم ومخاوفهم. ووفقا لمبدأ اللذة تؤمن مثل هذه النظريات بأنّ النّاس يقبلون على المواقف المفرحة واللذيذة، ويتمردون على الشيء المحزن والمؤلم أو المواقف التي تثير التوتر والضغط، فالفرضية الأساسية لنظرية التعزيز التعليمية، هي أنّ العملية التعليمية لأي ارتباط بين مثير واستجابة؛ إنّما تتطلب بالتأكيد وجود نوع من المكافآت. ويقترح الباحثان "دولارد وميلر Dollard and Miller"، بأنّ الخمر هو المعزز؛ لأنّه يؤدي إلى التقليل من الخوف والصراع والقلق، في حين يعتقد الباحث "باندوراBandura " أنّ تناول الخمر بصورة مفرطة؛ إنّما يتم من خلال التعزيز الإيجابي النّاجم عن المثبط المركزي والعناصر المخدّرة للكحول، فالأفراد الذين يكررون استعماله نتيجة لتعرضهم للضغوطات البيئية، هم الذين سيكونون أكثر عرضة للإقبال على تناول المخدّرات وبشكل أكثر من أولئك الذين يتعرضون لضغوطات أقل، والذين تعتبر المخدّرات بالنسبة لهم ذات قيمة تعزيزية ضعيفة ومتدنية Robinson,1976, p 54-55)).
ثالثا: النّظرية النّفسية الدّينامية (Psychodynamic Theory):تفسّر هذه النّظرية الإدمان بمجموعة من العوامل هي:
- ينشأ الإدمان عندما يبدأ الأفراد باستعمال الكحول والعقاقير المخدّرة، واللّجوء إلى السلوكيات الأخرى لتجريب اللذة أو للهروب من الألم.
- يؤدي الصراع بين الأنا الدنيا والأنا العليا إلى إساءة استخدام المواد المخدّرة للتخفيف من القلق والاضطراب.
- الرعاية الذاتية (Self-Care) والمحافظة على الذّات (Self-Preservation) هي من مهمات وواجبات الأنا التي تقوم بتنظيم المشاعر وتنسيقها. وعليه، تؤدي النّقائص والاختلالات في الرعاية الذّاتية وفي تقديرها واحترامها مع الإحساس بالكينونة وبالرفاهية جنبا إلى جنب مع الفشل والنكوص في ضبط الوجدانيات والسيطرة عليها إلى الإدمان,p 32-33) 2000 Rasmussen, ).
رابعا: نظرية التحليل النّفسي(Psycho - analysis Theory):
تقوم سيكولوجية الإدمان حسب نظرية التحليل النفسي على أساسين، يتمثل الأساس الأوّل في صراعات نفسية تعود إلى: الحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى إثبات الذّات والحاجة إلى الإشباع الجنسي النرجسي. وعليه، ففي حالة فشل الفرد في حل تلك الصراعات؛ فإنّه يلجا إلى التعاطي. ويتمثل الأساس الثاني في الآثار الكيميائية للمخدّر. وتفسّر نظرية التحليل النفسي ظاهرة الإدمان في ضوء الاضطرابات التي يتعرض لها الفرد في طفولته المبكرة، التي لا تتجاوز السنوات الثلاث أو الأربع الأولى، كما تفسّرها أيضا باضطراب العلاقات الحبّية في مرحلة الطفولة المبكّرة بين المدمن ووالديه، التي تتضمن ثنائية العاطفة، أي الحب والكراهية للوالد في الوقت ذاته، هذه العلاقة المزدوجة تسقط وتنقل على المخدّر، عندها يصبح المخدّر رمزا لموضوع الحب الأصلي الذي كان سابقا يمثل الخطر والحب معا، وترى هذه النظرية أنّ المدمن يلجأ إلى التعاطي من أجل طلب التوازن بينه وبين الواقع الذي يكاد أن يتعثر فيه، فيجد في المخدّر سندا له يساعده في حفظ ذلك التوازن (عبد المنعم، 2003، ص83-84). ويربط الكثير من مؤيدي نظرية التحليل النفسي حالة الإدمان الكحولي مع التركيز الجنسي الفموي، فالمدمنون يلجأون إلى استخدام العقاقير من أجل تحقيق لهفتهم الفموية- وهي بالطبع اللهفة الجنسية- والحاجة الماسّة للشعور بالأمن، وتنبثق الكآبات الفموية والإحباطات من الأطر الأسرية البائسة على حدّ تعبير هؤلاء المنظرين.
أما فيما يتعلق بالموقفين الأساسيين الآخرين لنظرية التحليل النفسي اللّذين صاغهما الباحثان "ما كورد وما كورد McCord and McCord " فهما:
- النظرية الألديرية (Alderianview) القائلة بأنّ الإدمان يمثل صراعا من أجل القوّة.
- النظرية– لم تسمى- القائلة: بأنّ الإدمان ينشأ على هيئة استجابات للصراعات الداخلية(Robinson,1976, p 56).
لكن الدلائل والإثباتات لنظرية التحليل النفسي ليست حاسمة ولا نهائية؛ لصعوبة ابتكار وتكوين اختبارات عملية تجريبية للتأكّد من مثل تلك الافتراضات.

ج- النّظريات الاجتماعية- الثقافية(Sociocultural Theory):
لا تخلو النظريات السيكولوجية المفسرة للإدمان من الانتقادات، فالنتائج التي توصل إليها الباحث "فاينستون Finestone " في دراسته المعنونة بـ:"المخدّرات وعلم الإجرام" عام 1957م لا تتفق مع مفهوم "الرجل المريض" الذي يوصف به المتعاطي للعقاقير المخدّرة. إذ لاحظ بأنّه ليس هناك دليل لأي تركيز مكثّف صادر عن المراهقين من ذوي الاختلالات في شخصياتهم في المحيط الذي يعيشون فيه، والذي يمتاز بأعداد كبيرة من الشباب المتعاطين للعقاقير المخدّرة. وبما أنّ العديد من المدمنين يقيمون في مناطق تكثر فيها الانحرافات، فإنّ هذا الاستنتاج قد عززته وساندته دراسة قام بها الباحث "فولكمان Volkman" عام 1958م الذي وازن بين مجموعة من المنحرفين ومجموعة أخرى من غير المنحرفين، واستنتج أنّ شخصية المدمن لم يكن لها ارتباط من الناحية السببية، واستنتج الباحث " وينك Winick "عام 1957م بأنّ هناك خللا في الدراسات السيكولوجية لمتعاطي العقاقير المخدّرة؛ لأنّ تلك النتائج انبثقت من بيانات تمّ تجميعها من أفراد مسجونين. ومعنى هذا الكلام أنّ الأفراد الذين قام معظم الباحثين بدراسة قضاياهم قد كانت من الأمور المنتهية بالنسبة إليهم، أو كانت شخصياتهم مستنتجة من عناصر وعوامل أخرى. ولا يتفق علماء الاجتماع كثيرا مع أولئك الذين ينظرون إلى استخدام العقاقير، والذين ينظرون إلى كافة الانحرافات الاجتماعية الأخرى على أنّها فقط مظاهر ومواصفات لبعض الظروف والحالات السيكومرضية. وقلّما تمّ قبول مثل هذا الاتجاه في ميادين علم الاجتماع العامة، ولا من قبل علم الإجرام أو علم النفس، ومثل هذا الاتجاه السوسيولوجي لتفهم واستيعاب استخدام المخدّرات يمثله الباحث "كلوسن" أحسن تمثيل، عندما يشير إلى الدراسات والبحوث التي تناولت الشخصية ونموها للساكنين في قاع المدينة، أي الأماكن المتدنية المستوى، فأشار إلى أنّهم كانوا من ذوي الصفات والسمات الشخصية المتشابهة تماما، على عكس ما يظن البعض بأنّها سمات ينفرد بها المدمنون فقط. ويفترض الباحث بأنّه ربما تكون سلاسة الضوابط الاجتماعية في مثل تلك المناطق المتدهورة جنبا إلى جنب مع وفرة المخدّرات فيها؛ عوامل تفرض نفسها من ناحية ارتباطها بالنسبة المرتفعة في الإقبال على تعاطي المخدّرات (MacGrath and Scrapitti, 1970, p 5-7 ).
وتفترض النظريات الاجتماعية وجود علاقة سببية بين تطور نوع ما من الإشكالية الإدمانية وبين الإطار السوسيوثقافي الذي تحددت فيه مواقع هذه الإشكالية وأمكنتها، وتطرح السؤال التالي: ما وظيفة الأسرة والبيئة والثقافة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية الكامنة في تطور الإدمان؟
أولا: نظرية الأسرة: لا تؤمن نظرية الأسرة بالمبدأ القائل بأنّ الإدمان هو مشكلة فردية أو داء، وتتحقق نظرية الأسرة من كيفية مساهمة الأسرة في عملية الإدمان، وكيفية تأثير هذه المشكلة في كل فرد من أفراد الأسرة والأعباء الناجمة عن الأسرة بمجملها، فالإدمان إذن هو آلية من آليات المواجهة، والتسامح من جانب الأسرة يرسخ الإدمان، ومع مضي الوقت تتطور "الطقوس والقواعد" الأسرية التي تعمل على تحديد السلوكيات والأدوار التي يقوم بها أفراد الأسرة كافة تجاه الإدمان، فالاتصالات السّيئة والتعبير المحدّد والمحدود عن المشاعر؛ هي التي تتمتع بها الأسرة المصابة بالإدمان، والتفاعلات والتكهنات ستكون غير ثابتة وغير مستقرة، والسلوكيات الفظّة من جانب الأبناء هي الشائعة تماما في الجو الأسرى، ويكون الوضع سلبيا للغاية، إذ يسود النكران والغضب وعلاج الذات بما يحلو لصاحبها، ويتطور الإدمان المشترك ومع تطوره يصبح هذا الإدمان متفشيا في أفراد الأسرة، فتتصاعد حدة الخلل الوظيفي، وتشعر زوجة المدمن بأنّ كل شيء في داخلها وفيما حولها ليس تحت سيطرتها والأمور كلّها سائبة، فتتحمّل المسؤولية وتحاول أن تضبط نفسها وزوجها وسلوكياته تجاه تناول الشراب، وغالبا ما يتباين هذا التسامح ويتراوح بين القيام بعملية إنقاذ لزوجها وبين القيام بتوجيه اللّوم إليه ومعاتبته، ومصاحبة المدمن يديم الإدمان ويعززه، ويزيد من الخلل الأسري داخل الأسرة، وسيؤدي الاكتشاف المبكر للإدمان إلى حدوث انتكاسة جديدة، وربما يضطر الأطفال لأن يكونوا كبش فداء أو كأطفال ضائعين (Rasmussen, 2000, p 34).
ويبين "ولكر Walker" أنّ هناك نوعين من العوامل التي ترتبط بإدمان الأبناء عند وصولهم إلى سن المراهقة هما:
- صراعات خاصة بالرغبة في الاعتمادية، وتشمل:
- التذبذب الذي تبديه الأم بين العطف والحنان وبين النبذ.
- تهرب الأم من الأزمات الأسرية، وانصرافها إلى الخمر.
- انحراف سلوك الأم.
- إهانة الأب للأم.
- العلاقات المتنافرة بين الوالدين.
- عدم تقبل الأم لدورها الأمومي.
- عدم قدرة الطفل على إدراك دوره في المجتمع، ومن العوامل المتعلقة بهذا العجز:
- نبذ الوالدين للطفل.
- انعدام طموحات الوالدين بالنسبة لمستقبل أبنائهم.
- تهرّب الأب من المسؤولية الملقاة على عاتقه، وانعدام الرقابة على سلوك الطفل.
- ضعف الضوابط المفروضة من قبل الأم على سلوك الطفل (عبد المنعم، 2003، ص 97).
ثانيا: نظرية الأنساق (System Theory):تحاول نظرية الأنساق أيضا تفسير الإدمان، وتضع في اعتبارها مجموعة من الأنظمة السائدة وبيئات هذه الأنظمة، فالمؤسسات وعمليات التواصل والتفاعل والاعتمادية المتبادلة والمشتركة وتكامل الأجزاء والعناصر، هي التي تتميز بها هذه النظرية. ووفقا لما يذكره الباحث "برتالافي Bertalanffy " 1968م، فإنّ الأنظمة الحية كافة هي أنظمة منفتحة، ويحافظ النظام المنفتح على المدخلات والمخرجات المستمرة ذات العلاقة بالطاقة وبيئتها، ويصبح هذا النظام المنفتح أكثر تنوعا وتعقيدا وتنظيما. أمّا النظام المنغلق؛ فهو نظام منعزل عن بيئته، ويتوجه نحو "اللانظام" والفوضى المتزايدة. وتنظر نظرية النظم إلى الناس على أنّهم كائنات اجتماعية بدلا من النّظر إليهم على أنّهم ككيونات سيكولوجية أو بيولوجية، والتفاعل ما بين الفرد والبيئة أمر حيوي للغاية، فإزالة آثار المخدّر لمدمن متشرد ستكون معاملة سيئة إذا كان هذا المدمن سيرمى في الشارع مرة أخرى.
وإذا ما تم تطبيق نظرية النظم على الأسرة المدمنة، فسيكون من الواضح أنّ إساءة استخدام العقاقير أو ممارسة أي سلوكيات إدمانية، إنما يستهدف تحقيق غرض ينصب في النظام الأسري، ومن ثم فإنّها-الأسرة- ستؤدي دورا في بداية الإدمان، وفي تطوره، وفي معالجته.
ثالثا: النظرية الأنثروبولوجية:تركز النّظرية الأنثروبولوجية على القيم والاتجاهات والميول والمعتقدات، وعلى المبادئ والمعايير التي يؤمن بها المجتمع بالنسبة لاستخدام المخدّرات والسلوكيات الادمانية الأخرى، فالشعوب البدائية تعرف المخدّرات وتستخدم الأنواع العديدة منها، ولكن الإدمان على أيّ نوع منها نادر الحدوث، وتفيد الدراسات الثقافية المقارنة بأنّ الوظيفة والدلالة الرئيسية للكحول في كل المجتمعات هي التقليل من التوتر، الذي عادة ما يرتبط باللااستقرار والقلق الاجتماعي ومع الاختلال الوظيفي، أو مع التغير الذي يحدث في كل زاوية
(p 35 ,2000 Rasmussen ,).
رابعا: المنحنى البنيوي للإدمان:
يتضمن هذا المنحنى تطبيقا للمفاهيم التحليلية والسوسيولوجية – الاجتماعية في محاولة توضيح السلوكيات الشاذة والمنحرفة، وما يتضمنه هذا المنحنى هو الافتراض القائل بأنّ هناك ظروفا اجتماعية تعمل على إنتاج وخلق السلوكيات الشاذة والمنحرفة. لهذا يحاول مؤيدو هذه النظرة وضع ملخص للسمات والخصائص البنيوية ذات الصلة بالسلوكيات الشاذة، والتحقق من مدى علاقتها الكائنة بين صفات وخصائص اجتماعية معينة وبين الانحراف، فيرى هؤلاء أنّ هناك مجموعة من المتغيرات الاجتماعية (Social Variables) من أمثال: الطبقة الاجتماعية؛ والتفكك الاجتماعي؛ والاضطراب الاجتماعي؛ والتركيبة الاجتماعية؛ والوسط الاجتماعي؛ والتشرذم؛ والانقطاع الثقافي؛ وصراع الأدوار؛ هي التي تؤدي إلى الانحراف، ولاشك في أنّ هذه الرؤية نابعة من موقف يتعلق بنظام القواعد أو ما يسمّى بتوقعات الأدوار الوظيفية وتكهناتها، فالمضمون الوارد هنا يقول بأنّ الانحراف حركة مستقلة وخاضعة للرؤى الخاصة بالمعزز أو المحرض. وهذا هو الموقف الذي يتخذه الباحثان "بارسونس وميرتون" Parsons and Merton "، حيث يبدأ الباحثان بتحليل النموذج الستاتيكي للنظام الاجتماعي، ثم يطرحان سؤالا يتعلق بسببية وجود انتهاكات للمعايير والقيم، فالسلوكيات الشاذّة والمنحرفة حسب ميرتون ما هي إلاّ نتيجة لظرف خاص يتعلق بالبنية الاجتماعية التي يتوافر فيها التفكّك وعدم الترابط، فتلقي البنية الاجتماعية بظلالها وبضغوطاتها على الفرد لكي يتصرّف بشكل منحرف(, p2 1968Carey,). ويقدم علماء الاجتماع الأمريكيون من أمثال "ميرتون وكلاورد Kloward و"أوهلن Ohlin " تفسيرات ثقافية بخصوص تعاطي المخدّرات، فالتعاطي من وجهة نظرهم يمثل استجابة انسحابية تحدث لدى المتعاطي؛ لأنّ طرق وسبل النجاح أمامه غير متيسرة أو مغلقة، وفي الوقت ذاته يجد نفسه عاجزا عن ارتكاب أفعال إجرامية يحقق من ورائها أهدافه. ويفسّر ميرتون ارتفاع معدّلات الإدمان باعتبارها نتاجا للمواقف الاجتماعية التي يمجّد فيها الفرد هدف النّجاح الفردي، ويصدّ الأبواب في وجه بعض الفئات الأخرى التي تخالف فيما بعد معايير مجتمعها وتنحرف عنه، وقد يكون من صور هذا الانحراف إدمان المخدّرات (رفعت، 1980، ص99). ويقدم " دونالد تافت Donald Tafft " تفسيرا للانحراف الاجتماعي بما فيه الإدمان فيقول: " إذا كانت ثقافة ما تتسم بالتعقيد والدينامية، وتمجّد الشخص الذي ينجح في مواقف الصّراع والتنافس ولكنّها تسدّ الطريق أمام الكثير لتحقيق هذا النّجاح، فإنّ فشل هؤلاء يؤدّي إلى ظهور أنماط سلوكية عدائية ضارّة بمصالح المجتمع ككل" (رفعت، 1989، ص101).
ويقدّم بعض الباحثين تفسيرا اجتماعيا قائما على عملية التعلّم الاجتماعي، ومنهم "سوذرلاند Sutherland " الذي يرى بأنّ السّلوك الإجرامي هو سلوك متعلم يتم تعلمه من خلال الاتصال مع الآخرين أثناء مواقف التفاعل الاجتماعي (الوريكات،2004، ص123). ويؤكد " بيكر Bicker " أنّ السلوك الإنساني ما هو إلاّ نتاج لتتابع الخبرات الاجتماعية التي يكتسب الفرد من خلالها مفهوما عن معنى السلوك، كما يكتسب مدركات وأحكام معينة عن المواقف التي تجعل النشاط ممكنا ومرغوبا فيه، فيحدث الإدمان من وجهة نظر بيكر من خلال عملية التعلّم الاجتماعي (عبد المنعم، 2003، ص 88-99).
خامسا: نظرية الباب المفتوح (Gateway Theory): تفترض نظرية الباب المفتوح بأنّ استخدام المخدّرات بعينها يترك الأبواب منشرعة لاستخدام المخدّرات الأكثر عنفا وضررا. فقد استنتجت كثير من الدّراسات السائدة بخصوص المراهقين؛ أنّ استخدام التبغ ثم استخدام الكحول سيستمر متقدما لاستخدام المخدّرات الأخرى. وهناك نظرية الأشياء المتيسرة- الوفرة Availability Theory))التي تؤكد بأنّه كلّما زاد الإقبال على المواد المخدّرة أو سلوكياتها مثل: لعب القمار أو الجنس أو التسوق المرضي؛ ازدادت حدّة الإدمان ووفرته، وتهتم النظريات الاقتصادية بالتكلفة الاجتماعية للإدمان ,p36)2000 Rasmussen,).
سادسا: النظريات الروحية ونظرية التسامي:transcendental and spiritual theories:
إن الفلسفة الروحية سمة من السمات المهمة في رفاهية الإنسان وسعادته، لأن الإشكالية الروحية أو الدينية يمكن أن تكون بؤرة الاهتمامات الإكلينيكية-السريرية(منظمة أطباء النفس، 1994). ويرى الباحث الباحث "جونغ" (1922) إلى المحور الروحي على أنه قلب الطبيعة البشرية. ويعتبر الباحث "فرانكي" (1962) بأن الشعور الديني مترسخ تماما في أعماق كل شخص، ويؤكد الباحث "روجرز" (1980) على أهمية المحور الديني والروحي، ويعتبر الباحث "ماسلو" (1964) بأن بني البشر قادرون على التسامي إلى ما وراء حدود شخصيته الذاتيه وتحقيق الإحساس العميق بالخلود والقدسية. فعلم النفس الغيبي الذي يتجاوز حدود الذات ويطلق عليه البعض اسم السلطة الرابعة في علم النفس الغربي، يتجاوز النظريات الإنسانية والديناميكية، ويسعى إلى تكوين حالات متسامية من الوعي الروحي والارتباط الروحي، ويتحدث عالم النفس "جيرالدي"(1991) في كتاب له تحت عنوان "الادمان والنعمة" بأن لدى كل البشر غريزة فطرية اتجاه الله عز وجل، وسواء كنا متدينين أم غير متدينين، فإن هذه الرغبة هي أقصى أمنياتنا، فنحن نتلهف على التوحد ككل، وعلى التكامل، وعلى السعادة، ونتعطش على أن نحّب ونحب، وهذه الرغبة تبث الأمل والرجاء في قلوبنا، ولكن هناك من يقف حجر عثرة أمام هذه الطموحات. فالحياة الحديثة هي التي تخلق الإحساس بالوحدة وبالاغتراب عند جميع الناس، والإدمان يوفر الراحة المؤقتة، ويمكن أن يزيل الوحدة التي نشعر بها والألم الذي يأتي لنا من هذا العالم العجيب والغريب، والمواد المنشطة نفسيا والسلوكات الادمانية تساعد الناس عن التسامي عن الحقيقة التي أمامهم، ويعتقد الباحث "أوليفييرا" (1995) بأن الأفراد يشعرون بالنقص وباللاكمال وبأنهم فارغون وطبول جوفاء، فلا بد أن يملؤوا حياتهم، ومن خلال الإدمان يعوّض الأفراد عمّ يفتقدونه وأضاعوه في حياتهم، وستملئ المواد المنشطة نفسيا ذلك الفراغ…فاللهفة عبارة عن جوع وعطش لا حدود له لشيء مفقود في حياة الناس، وينشأ هذا الجوع والعطش في صلب كينونة الفرد، وتمثل اللهفة والرغبة الجامحة حاجة إلى الكمال رغبة جامحة نحو الحقيقة الباطنية ونحو السعادة والراحة والاطمئنان، ويصف الباحث "جونغ" اللهفة نحو الكحول بأنها تتساوى مع العطش الروحي والمعنوي لكينونتنا نحو كل متكامل.
ومازالت الروح المعنوية والدينية هي العنصر الأساسي للبرنامج المكون من (12) خطوة للشفاء من الداء والإدمان ولعشرات السنين، وتعتبر الأدوية وعلم النفس هما(القوتان الشافيتان للجسم والعقل، وللروح والجسد)، وكان عنوان المؤتمر الذي انعقد في نيويورك(1997) تحت عنوان "النفس، والروح، والإدمان) مؤتمر دولي كرس أعماله للحديث عن الجذور الروحية، والسيكولوجية والثقافية لسوء استخدام العقاقير وطرق معالجتها(Rasmussen, 2001, p 36-37).
لهذه النظريات الاجتماعية، حالها حال النظريات البيولوجية والسيكولوجية ذات الصّلة بالإدمان، نقاط ضعفها الجوهرية، فهناك الكثير من التساؤلات التي لا يمكن الإجابة عنها من منظور سوسيولوجي صرف ومجرد، وسنظل في حيرة من أمرنا بسبب مبادرة أفراد معينين باللّجوء إلى تعاطي المخدّرات،في حين أنّ الآخرين الموجدين في الإطار السوسيوثقافي نفسه لا يلجأون إلى ذلك، إضافة إلى أن الدّراسات الخاصّة بعلاقة الخلفية الأسرية بالإدمان قلّما ونادرا ما تعرف أوجه الشبه بين أسر المدمنين وغير المدمنين. فالدّراسات الطويلة المدى المتعلقة بنشوء وتطور الإشكاليات الادمانية الكامنة في النطاق الأسرى وفي العلاقات اليومية غير متوافرة، وبخاصّة أنّ هذه الأمور تعد جوهرية في أيّة نظرية سوسيولوجية.
د- النماذج الشمولية(Comprehensive Model):
أولا:النموذج البيوسيكوسوشيال(البيولوجي – السيكولوجي- الاجتماعي) (Biopsychosocial Model):
بدلا من النظر إلى الإدمان واعتباره ناجما عن منظور واعتبار واحد؛ يستخدم الكثرة من المتخصصين والأطباء هذا النموذج لتفهم واستيعاب أسباب المرض والتعبير عن نشأته ومعالجته والوقاية منه، فينظرون إلى الإدمان بوصفه تركيبة بيولوجية وسيكولوجية واجتماعية – ثقافية تحمل هذا المتغير وتتضمنه. ويضم هذا المنظور ويدمج في ثناياه جميع سماتوخصائصالنظريات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية الثقافية، ويتناغم هذا النموذج وينسجم مع النظرة الكلية للمدمن.
ويحدد الباحث "سيديرر Sederer " عددا من المآخذ على هذا النموذج هي:
- أنّ هذا النموذج لا يزودنا بطريقة لإنشاء هرمية تنظيمية للمسببات.
- أنّ قدرة إحدى الجينات أو المورثات على تعديل إدمان الكائن الحي ومغزاه ومعناه، قد يطغى ويغطي عملية البحث عن الأسباب.
- من الصعب متابعة مراحل العلاج باستخدام هذا النموذج، وبصرف النظر عن هذهالانتقادات، فإنّ هذا النّموذج واسع الانتشار، وتتعامل عملية القياس والتشخيص الطبي والتخطيط العلاجي والتدخل الطبي الإجرائي، ثم عملية التقويم مع المتغيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية كافة.
ثانيا: نموذج الصحة العامة والنموذج البيئي(Public Health Agent- HostEnvironment Model):
ظهر هذا النموذج في حقبة الستينات من القرن الماضي، وتوسع ليصف أسباب الأمراض والاضطرابات في العديد من المجالات الصحية العامة، أمّا فيما يتعلق بنموذج الصحة العامة(كضيف) والبيئة (كمضيف لذلك الضيف)، فهو نموذج شمولي للصحة العامة وللمرض الذي ينمو في بيئة صحية في المجتمع. وطبقا لهذا النموذج يعتمد مستوى الصحة العامة وحالة الاضطراب والقلق على التفاعلات الدينامية السائدة بين ثلاثة عناصر هي: العامل الضيف (المسبب)؛ والمضيف (السبب)؛ والبيئة، ويمكن أن يكون هذا العامل خارجي أو داخلي، بحيث أنّ غيابه أو حضوره سيؤدي إمّا إلى الداء أو إلى الاختلال أو الاضطراب. ففي حالة الإدمان يمكن أن يكون ذلك العامل مادة من المواد المخدّرة، أو أن يكون عادة على هيئة سلوكيات إدمانية مثل: القمار، والتسوق، والشراهة الجنسية، فيجب أن يكون العامل موجودا لكي ينمو ويتطور الإدمان (إذا لم تشرب لا تسكر)، ومع ذلك فإنّ وجود المادة نفسها – أو وجود السلوكيات الأخرى كعوامل – بحدّ ذاتها ولوحدها لن تؤدي إلى الإدمان بصورة مباشرة. أمّا المضيف، وهو الفرد؛ فيمكن التشكك بشأنه، فربما يكون لديه داء معين أو اختلال وظيفي معين، فهذا الدّاء وهذا الاختلال هو الإدمان في هذه الحالة، وتتضمن العوامل المضيفة التي تزيد من حالة التشكك في الإدمان: السجل/ التاريخ الأسرى لسوء استخدام المواد المخدّرة، وماضي سوء استخدام الجنس، ونمطية الحياة المدمرة للذات. ويصف مفهوم المرونة وسهولة التكيف وفقا لتغير طارئ إثر بلاء مقيم، العوامل الدفاعية للمضيف التي تزيد من احتمالية أنّ الفرد قد يقاوم وسيتحدى عملية التعاطي والاستعمال أو حتى عملية الإدمان. ولكن هناك أيضا العوامل الجينية المؤكدة، والأداء الوظيفي الأسري، والكفاية الذاتية، وميكانيزمات أو آليات الصحة العامة التي ستزيد من احتمالية أنّ الفرد سيقاوم عملية الاستعمال وسوء الاستعمال أو الإدمان.
وتتكون النظرية البيئية من كافة الظروف والشروط الاجتماعية والمادية الخارجة عن نطاق المضيف، وهي: المناخ؛ والسكن؛ والأسرة؛ والمدرسة؛ والجيران؛ ووسائط النقل؛ وأماكن العمل؛ وغيرها من العوامل. وتتضمن المثبطات البيئية الرئيسية: الخدمات الصحية البائسة؛ والفقر؛ والتشرد والحرمان والبطالة؛ والسجن؛ والتعرض للحروب والتورط في عمليات عدوانية؛ والتعرض للمصائب وللكوارث الطبيعية.
ويؤكد نموذج العامل – المضيف- البيئة، على التفاعلات الديناميكية السائدة بين هذه المتغيرات الثلاثة بوصفها محددات أكيدة للصحة أو للمرض. ويدعم نموذج الصحة العامة النظرية القائلة بتعدد الأسباب أو المسببات المركبة، ويقدم تفسيرات للعديد من الظواهر المعقدة مثل: الإدمان؛ والتشرد؛ وغيرهما (Rasmussen, 2001, p 37-38).


خاتمة:
ما كان هذا البحث إلا محاولة متواضعة لإلقاء الضوء على بعض النظريات والنماذج التي حاولت أن تبحث في موضوع الإدمان على المخدرات والخمور والعقاقير، لأنه في حقيقة الأمر أن هناك الكثير من النماذج التقليدية التي انصب اهتمامها على دراسة هذا الموضوع، ويمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا للحصر: النموذج الأخلاقي، النموذج الشرعي، النموذج الطبي، والنموذج الصيدلاني؛ ولكنه يبدو من الصعب تغطية كل هذه النظريات في بحث واحد، ولهذا تم الاقتصار على بعض النظريات والنماذج المعاصرة فقط، ولا يعد هذا تقصيرا أو الانتقاص من قيمة النماذج التقليدية السابقة فحسب؛ بل تكتسي هي الأخرى أهمية كبيرة، وربما شكلت المنطلق الأساسي للنظريات المعاصرة طالما أن العلم يتصف بالتراكمية، بحيث أن السابق من الأبحاث سند للاحق منها، واللاحق يكمل السابق ويضيف عليه.
لقد تم التعرض في هذا البحث إلى طائفة من النظريات والنماذج المعاصرة التي حاولت دراسة الإدمان وتحديد طبيعته وأسبابه وأبعاده وآثاره في بعض الأحيان، ويبدو جليا التعدد المتنوع للنظريات، فهناك نظريات بيولوجية تفسر الإدمان من منظور بيولوجي-وراثي-عصبي، ولها ما يدعمها من الافتراضات والأبحاث والدراسات والواقع، ونظريات سيكولوجية تركز على الجانب السيكولوجي-النفسي، ولها ما يدعمها كذلك، ونظريات أخرى اجتماعية-ثقافية تتخذ من الإطار السوسيوثقافي كإطار لعملية التحليل والتفسير وترتكز على دراسات وأبحاث علمية قيمة، وهناك نماذج شمولية حاولت الاستفادة من القصور والانتقادات الموجهة إلى كل نظرية من النظريات السابقة.
والملاحظ على الدراسات السابقة التي انتظم بعضها في شكل نموذج يعطي الخطوط العامة والعريضة، وانتظم بعضها الآخر في شكل أكثر تحديدا وهو النظرية، أنها تبين حقيقة التعقيد الذي يتميز به هذا الموضوع، أي تعدد جوانب الإدمان وأسبابه وعوامله وأبعاده، وهذا ما يعكسه أيضا تعدد الأطر المرجعية والافتراضات التي ينطلق منها كل باحث، وهو يرتبط بقدر معين بمجال التخصص، ولكن هذا الثراء والتنوع على مستوى البحث قد يطرح أمامنا جملة من التحديات على مستوى الممارسة الميدانية. وقد يطرح السؤال لماذا؟ وسيكون جواب هذا السؤال هو الإجابة على السؤال التالي ما الفائدة من تقديم هذه النظريات وهذه السلسلة من الأبحاث المتمايزة التي قامت عليها؟
إن الممارسة العملية التطبيقية في هذا المجال-سواء تعلق الأمر بالوقاية أو بالعلاج- ستكون ممارسة محكوما عليها بالفشل وزائفة وغير مفيدة ونافعة؛ إذا كانت تفتقر إلى أساس أو إطار مرجعي علمي، وهذا الإطار المرجعي لا يكون متيسرا إلا بعد الاطلاع على المجهودات الفكرية والعلمية والمنهجية الحثيثة التي قدمها الباحثين والمفكرين السابقين، والتي ترجمت في شكل نماذج ونظريات، ومن ثم فإن هذه النظريات ستساهم، والى حد بعيد، في تعزيز الممارسة العملية الوقائية والعلاجية إذا كنا بصدد التكفل بفئة المدمنين، وستكسبها صفة العلمية والواقعية، لأنها توفر للمتخصصين في المجالات المختلفة وصفا دقيقا للإدمان على المخدرات وتحدد أسبابه، كما تحدد لهم المهارات اللازمة، وبالتالي ستجعلهم أكثرا تحكما في الظاهرة، كما يبين ذلك التداخل الموجود بين النظريات أن هناك ارتباطا حقيقيا بين مختلف الأبعاد. ويقود هذا الطرح إلى التساؤلات التالية: على أية نظرية نعتمد في الممارسة العملية؟ وهل هناك نظرية أفضل من غيرها؟ وهل يخضع الأمر لعملية انتقاء؟ أم نعتمد على المدخل التكاملي؟ وهل بالفعل تتوفر لدينا اليوم المهارات التطبيقية اللازمة المرتبطة بكل نظرية؟ إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات أمر صعب، وقد يحتاج إلى دراسات وأبحاث، ولكن يمكن القول أن إستراتيجية الوقاية والعلاج تتوقف على الأسباب والعوامل وحسب طبيعة كل حالة، وربما استخدام المدخل التكاملي سيجنب أوجه القصور الذي قد نقع فيه عند الاستناد على رؤية واحدة، ولكنه سيضع أمامنا تحديا صعبا وقاسيا يحتم علينا الإجابة على: هل المهارات العملية المتعلقة بهذا النوع من المنهج متوفرة ومتاحة لدى المتخصصين؟

خطه علاجيه طويله وقصيرة المدى فى علاج الادمان

خطوات تتم داخل المكان العلاجي للادمان

برنامج الحرية لمكافحة الادمان



 1- التقييم:
وهي الأجراءات التي يقوم بها المعالج الشخصي للمدمنللتعرف علي نقاط القوه والضعف لدي المتعالج، وما هي المشاكل التي يعاني منها، وماهي الأحتياجات الضروريه التي لديه. وهذه الخطوه هي تمهيد للخطوه القادمه، وهي وضع الخطه العلاجيه المناسبه. ان مرحله التقييم مرحله مستمره وهو يكون عاده حصيله من الحوارات الشخصيه المركزه مع المتعالج بجانب عمل الأختبارات ومراجعه السجلات. ويقوم المعالج بتقييم معظم مناطق الحياه للمتعالج ( الصحه الجسديه - التضارب الوظيفي - التكيف الأجتماعي - التورط القانوني - الوظائف النفسيه.... الخ) يجب ملاحظه المعايير التاليه:

* جمع بعض المعلومات عن المتعالج متضمنا تاريخه مع تعاطي المخدرات والمشاكل الأخري، وذلك بأستخدام طرق ملائمه للحوار.
* وضع تقييم لتعاطي المخدرات وأي اعراض أخري مصاحبه لتوفير توجه متكامل نحو التخطيط الجديد للعلاج، معتمدا علي الدرايه بنقاط الضعف والقوه والمشاكل والأحتياجات المحدده لدي المتعالج.

2- الخطه العلاجيه:
 وهي العمليه التي يتعرف بها كل من المعالج الشخصي و المتعالج علي المشاكل التي يعاني منها المتعالج وتحتاج الي حلول ويتم تصنيفها للتعامل معها والأتفاق معا علي وضع اهداف طويله وقصيره المدي، وتقرير نظام العلاجوالموارد التي سيتم استخدامها.

*  شرح التقييم للمتعالج بطريقة يمكن فهمها.
 * التعرف على المشاكل وتصنيفها مستندا على احتياجات المتعالج الفردية في خطة العلاج المكتوبه.
 * وضع الأهداف طويله المدي وقصيره المدي المتفق عليها مستخدما المصطلحات المكتوبه في الخطه العلاجيه.
 * التعرف على طرق العلاج والموارد التي يمكن الاستفادة منها لكل عميل كحالة فردية.

تعتمد اتفاقية العلاج على التقييم وهى نتيجة للمفاوضات التي تتم بين المتعالج و االمعالج لضمان أن الخطة مناسبة لاحتياجات المتعالج. يجب أن تكون اللغة المستخدمة في عرض المشكلة ووضع الأهداف محددة ومفهومة لللمتعالج ، ويمكن التعبير عنها من خلال مصطلحات سلوكية ( قابلة للقياس) ، وكذلك الإستراتيجية المتبعة في العلاج تكون واضحة ومفهومة ، فتشرح المشكلة باختصار احتياجات المتعالج التي تم التعرف عليها من خلال التقييم، والهدف هو كيفية التعامل مع المشكلة وقد يكون هناك هدف واحد أو عدة أهداف تسعى لحل المشكلة. كذلك توجد أهداف طويلة المدى وقصيرة المدى. ويجب أن تكون الأهداف قابلة للقياس لكي يستطيع كل من العميل والمرشد تحديد مدى التقدم في العلاج.
الخطة العلاجية هي نشاط محدد يربط المشكلة بالهدف ، ويصف الخدمات التي سوف تقدم للعميل للوصول إلى الهدف ، كذلك يحدد الشخص المسئول عن أداء هذه الخدمات ، والوقت الذي سوف تقدم فيه هذه الخدمات والمعدل المطلوب. وضع الخطة العلاجية عملية ديناميكية ويجب مراجعتها أثناء فترة العلاج ، كذلك يجب مراجعة العقود والاتفاقيات بشكل منتظم وتعديلها إذا لزم الأمر.

3- الأرشاد:
 وهو الاستفادة من المهارات الخاصة لمساعدة أفراد أو عائلات أو مجموعات من الناس، في تحقيق الأهداف التي يسعون لتحقيقها، وذلك يتم عن طريق مساعدتهم في ( اكتشاف المشكلة ورؤية عواقبها- فحص السلوكيات والمشاعر- النظر في الحلول البديلة- ثم الوصول إلى قرار).
 اختيار نظرية أو نظريات المشورة التي تقدم.
تطبيق التقنيات لمساعدةالمتعالج أو المجموعة او العائلة  في اكتشاف المشاكل وعواقبها.
تطبيق التقنيات لمساعدةالمتعالج أو المجموعة أو العائلة في فحص السلوك، والتوجهات أو المشاعر إذا كان ذلك ملائما للوضع العلاجي.
المشورة بشكل فردى تكون وفقا للثقافة والنوع وأساليب الحياة المختلفة.
التدخل مع العميل بأسلوب علاجي ملائم.
تنفيذ خطة العلاج.
المشورة هي علاقة يساعد فيها المرشد العميل نحو استخدام موارده لحل مشاكله ،أو تحسين سلوكياته وقيمه. يجب أن يكون المرشد قادرا على إظهار معرفة عملية في مختلف توجهات المشورة وتتضمن ( طرق العلاج الواقعي- العلاج التحليلي التفاعلى- العلاج المبنى على إستراتيجية العائلة ، والعلاج المتمركز حول العميل...) كما يجب على المرشد أيضا أن يكون قادرا على شرح المنطق وراء استخدامه لتوجه معين لعميل بعينه ، على سبيل المثال يمكن اقتراح اتجاه سلوكي لعميل يقاوم أو يواجه صعوبة في التكيف مع العواقب وتنظيم الاندفاعات. في حين يمكن أن يكون التوجه المعرفي هو الأكثر ملائمة لعميل يعانى من الاكتئاب ولكنه في نفس الوقت قادرا على الاستبصار وواضح الرؤية ، وهكذا. يجب كذلك على المرشد أن يشرح منطقه لاختيار توجه المشورة مع فرد أو مجموعة. وأخيرا على المرشد أن يكون قادرا على شرح سبب تغيير التوجه أثناء العلاج.

4- التعامل مع الحاله:

وهى الأنشطة والخدمات المختلفة التي تقدمللمتعالج ، وتعمل معا في إطار محكم ومصمم لتحقيق الأهداف الموضوعة في الخطة العلاجية وقد تشتمل على اتفاقيات إضافية أو طلب مساعدة آخرين من ذوى الخبرة بحسب احتياج المتعالج.
 أن إدارة الحالة هي تنظيم خطة بالخدمات المتعددة المقدمةللمتعالج بحسب احتياجه .
لان المدمن قبل العلاج يظهر عليه العديد من مظاهر الاختلال في مناطق مختلفة من حياته ، وهذا بالطبع يتم التعامل معه أثناء العلاج. فعلى سبيل المثال يمكن أن يصاب مدمن الهيروين بفشل في الكبد ، وفي هذه الحالة يجب على المرشد تحويلالمتعالج إلى طبيب متخصص يشرف على علاجه.
كذلك يمكن أن يكون لدى المتعالج سجل جنائي في هذه الحالة، يجب على المرشد الاتصال بمحامى وهكذا. يمكن أن يتلقى المتعالج أيضا خدمات علاجية أخرى مثل العلاج بالعائلة، والعلاج بالأدوية في نفس المكان. يجب أن تتكامل هذه الأنشطة مع خطة العلاج ويجب أن يكون الاتصال مستمرا مع المسئولين عن كل جانب.

5- التدخل في الأزمات:

وهى الخدمات التي تقدم للعميل ، وتتجاوب مع احتياجاته في الظروف المختلفة ، والطارئة مثل التعرض للآلام العاطفية أو الجسدية الشديدة لأي سبب أثناء العلاج.

*     إدراك العناصر المختلفة للأزمة التي يمر بها العميل.

*     البدء في تنفيذ دورة فورية من الأعمال الملائمة لهذه الأزمة.

*    تعزيز العلاج الكلى بالاستفادة من الأحداث والأزمات.

الأزمة هي حدث حاسم وحرج في مرحلة العلاج ، وقد تؤدى إلى إعاقة عملية إعادة التأهيل أو هدمها تماما. وقد تكون هذه الأزمات مرتبطة بشكل مباشر بالتعاطي، فتكون في صورة انتكاسة يتعرض لها العميل – أو تعاطي جرعة زائدة أو تكون بشكل غير مباشر وتتضمن ( موت شخص عزيز- انفصال- طلاق- اعتقال- محاولة انتحار- أو ضغط خارجي لإنهاء العلاج).

يجب على المعالج أن يكون قادرا على تحديد الأزمة عند ظهورها على السطح ،وعليه فتكون محاولة التدخل أو حل المشكلة بشكل فوري مع استخدام الأحداث السلبية لتعزيز مجهود العلاج إن أمكن.

6- توعيه المتعالج:

هي توفير المعلومات الكافية للأفراد أو الجماعات عن المخدرات والكحوليات، وكذلك توفير معلومات عن الخدمات المقدمة والموارد المتاحة للمساعدة في تخطى المشكلة.

* تقديم معلومات متعلقة بتعاطي وإدمان الكحول والمخدرات للمتعالج بطريقة رسمية أو غير رسمية.

* تقديم المعلومات عن الخدمات والموارد الأخرى التي تقدم عن إدمان المخدرات.

يمكن تقديم التوعية للمتعالج بطرق مختلفة . ففي بعض برامج الإقامة الكاملة يمكن أن تعقد فصول رسمية تستخدم مواد مكتوبة وأفلام. بينما يمكن أن تقدم المشورة في عيادة خارجية ويتم فيها توعية العميل بشكل فردى أو غير رسمي.
توعية العميل يمكن أن تتضمن بالإضافة إلى المعلومات المتعلقة بالكحول والمخدرات وصفا لمجموعات الدعم الذاتي ،والموارد الأخرى المتاحة للمدمنين وعائلاتهم.
يجب أن يكون المقدم قادرا على تقديم أمثلة محددة عن نوعية التوعية المقدمة للعميل ومدى ارتباطها بالحالة.

7- الأستشاره:

التواصل مع مرشدين ومختصين آخرين من البرنامج ،والاستفادة من خبرات الآخرين لضمان عناية اشمل وأفضل للمتعالج.

* إدراك المواضيع التي تتجاوز معرفة أو مهارات المعالج.

* استشارة الموارد الملائمة للتأكد من تقديم الخدمات الفعالة للعلاج.

* الخضوع للقوانين واللوائح وسياسات المكان المعمول بها ، والتي تحكم عدم إفشاء بيانات هوية العميل.

* شرح الأسباب المنطقية للاستشارة للمتعالج إذا لزم الأمر

أن الاستشارة هي اجتماعات للمناقشة والتوصل لقرار. أكثرها شيوعا تكون بين العاملين داخل المكان العلاجي الذي تتم فيه مراجعة حالة المتعالج مع الأعضاء الآخرين من الفريق العلاجي.
ويمكن أيضا عقد جلسات الاستشارة بشكل فردى مع المشرف والمشيرين الأخريين والأخصائيين النفسيين والأطباء النفسيين ومقدمي الخدمات الأخرى المتعلقة بحالة المتعالج